إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)
{
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا
أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
(117) }
قال ابن أبي نَجِيح: زَعَم الحسن بن يَزيد (1) العِجْليّ، عن ابن مسعود في قوله
تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } قال (2)
لا يستوي أهل الكتاب وأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم .
وهكذا قال السُّدِّي، ويؤيد هذا القول الحديثُ الذي رواه الإمامُ أحمدُ بن حنبل
في مسنده.
حدثنا أبو النَّضْر وحسن بن موسى قالا حدثنا شَيْبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن
مسعود قال: أخر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد،
فإذا الناس ينتظرون الصلاة: فقال: "أَمَا إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ
الأدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ". قال:
وأُنزلَت هذه الآيات: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ[ أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ] (3) } إلى قوله (4) { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } (5) .
والمشهور عن (6) كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه
العَوْفِيّ عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمَنَ من أحبار أهل الكتاب،
كعبد الله بن سَلام وأسَد بن عُبَيْد وثعلبة بن سَعْية وأسَيد بن سعْية وغيرهم،
أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا
قال تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً } أي: ليسوا (7) كلُّهم على حَدّ سواء، بل منهم
المؤمن ومنهم المُجْرم، ولهذا قال تعالى: { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ } أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه (8) مُتَّبِعة نبيَّ الله،
[فهي] (9) { قَائِمَةٌ } يعني مستقيمة { يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ
اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون
القرآن في صلواتهم (10) { يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ
فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ } وهؤلاء هم المذكورون في آخر
السورة: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا
أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لا يَشْتَرُونَ
بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ
رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] (11) } [الآية199] وهكذا قال
هاهنا: { وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ } أي: لا يضيع عند
الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } أي: لا
يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا.
ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفرة المشركين بأنه { لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } أي لا يُرَدّ عنهم بأس
الله ولا عذابه إذا أراده بهم { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ }
ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن، والسُّدِّي،
فقال تعالى:
__________
(1) في أ، و: "ابن أبي يزيد".
(2) في أ، و: "يقول".
(3) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(4) في جـ، ر، أ، و: "حتى بلغ".
(5) المسند (1/396).
(6) في أ، و: "عند".
(7) في أ: "ليس".
(8) في جـ، ر، أ، و: "لشرع الله".
(9) زيادة من جـ، أ، و.
(10) في أ: "صلاتهم".
(11) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي الأصل: "الآية".
(2/105)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)
{
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ
فِيهَا صِرٌّ } أي: بَرْد شديد، قاله ابن عباس، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَير
وقتادة والحسن، والضّحّاك، والرَّبِيع بن أنس، وغيرهم. وقال عطاء: بَرْد
وجَلِيد. وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد { فِيهَا صِرٌّ } أي: نار. وهو يرجع إلى
الأول، فإن البرد الشديد -سيّما (1) الجليد (2) -يحرق الزروع والثمار، كما يحرق
الشيء بالنار { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
} أي: أحرقته، يعني بذلك السَّفْعة إذا نزلت على حَرْث قد آن جدَادُه أو
حَصَاده فدمَّرَتْه وأعدَمَتْ ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعَدمَه
صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثوابَ أعمالهم في هذه الدنيا
وثمرتها كما أذهب ثمرةَ هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بَنَوْهَا على غير
أصْل وعلى غير أساس { وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ }
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا
يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ
أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ
وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ
قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا
بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ
اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) }
يقول تبارك وتعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي:
يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا
يألون المؤمنين خَبَالا أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما
يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ
عليهم.
وقوله: { لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } أي: من غيركم من أهل
الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.
وقد روى البخاري، والنسائي، وغيرهما، من حديث جماعة، منهم: يونس، ويحيى بن
سعيد، وموسى بن عقبة، وابن أبي عتيق -عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِي وَلا
اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ
تَأْمُرُهُ بِالْخيرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ
وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَم اللهُ " (3) .
وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام، عن الزهري، عن أبي سلمة [عن أبي هريرة
مرفوعا بنحوه (4) فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة] (5) عنهما. وأخرجه
النسائي عن الزهري
__________
(1) في و: "لا سيما".
(2) في جـ، ر، أ: "والجليلد".
(3) صحيح البخاري برقم (6611، 7198) والنسائي في الكبرى برقم (8755).
(4) في أ: "نحوه".
(5) زيادة من جـ.
(2/106)
أيضا (1) وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صَفْوان
بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره. فيحتمل أنه عند أبي سلمة
عن ثلاثة من الصحابة (2) والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو أيوب محمد (3) بن الوَزَّان، حدثنا
عيسى بن يونس، عن أبي حَيّان التيمي عن أبي الزِّنْباع، عن ابن أبي الدِّهْقانة
قال: قيل لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إن هاهنا غُلاما من أهل الحِيرة، حافظ
كاتب، فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين (4) .
ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذَّمَّة لا يجوز استعمالهم في
الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي
يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال تعالى: { لا
يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } .
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هُشَيم، حدثنا
العَوَّام، عن الأزهر بن راشد قال: كانوا يأتون أنَسًا، فإذا حَدَّثهم بحديث لا
يدرون ما هو، أتَوا الحسن -يعني البصري-فيفسره (5) لهم. قال: فحدَّث ذات يوم عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ،
ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا (6) فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن
فقالوا له: إن أنسا حَدّثنا أن رسول الله (7) صلى الله عليه وسلم قال: "لا
تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ (8) ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا
(9) فقال الحسن : أما قوله: "ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا (10) :
محمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ" يقول:
لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله: { يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } .
هكذا رواه الحافظ أبو يعلى، رحمه الله، وقد (11) رواه النسائي عن مجاهد بن
موسى، عن هشيم. ورواه الإمام أحمد، عن هُشَيم بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير
الحسن البصري (12) .
وهذا التفسير فيه نظر، ومعناه ظاهر: "لا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ
عَرَبيّا (13) أي: بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم،
فإنه كان نَقْشُه محمد رسول الله؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه
__________
(1) النسائي في السنن الكبرى برقم (8756) من طريق معاوية بن سلام عن الزهري به.
(2) صحيح البخاري برقم (7198) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (8757).
(3) في أ، و: "بن محمد".
(4) تفسير ابن أبي حاتم (2/550) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (8/658) من طريق
أبي حيان التيمي به ورواه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (2/300).
(5) في جـ: "ليفسره".
(6) في ر: "غريبا".
(7) في أ، و: "إن أنسا حدثنا بحديث ما ندري ما هو قال: وما حدثكم أنس، قالوا:
حدثنا أن رسول الله".
(8) في أ: "المشركين".
(9) في ر: "غريبا".
(10) في ر: "غريبا".
(11) في أ: "قد".
(12) رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (9375) والطبري في تفسيره (7/142) من
طريق هشيم بسياق أبي يعلى به، ورواه أحمد في مسنده (3/99) والنسائي في السنن
(8/176) من غير ذكر تفسير الحسن البصري.
(13) في ر: "غريبا".
(2/107)
نهى أن يَنْقُشَ أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه: لا
تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون (1) معهم في بلادهم، بل تَبَاعَدُوا منهم
وهَاجروا من بلادهم؛ ولهذا روى أبو داود [رحمه الله] (2) لا تَتَرَاءَى
نَاراهُمَا" وفي الحديث الآخر: "مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ،
فَهُوَ مِثْلُهُ"؛ فحَمْلُ الحديث على ما قاله الحسن، رحمه الله، والاستشهاد
عليه بالآية فيه نظر، والله أعلم.
ثم قال تعالى: { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي
صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من
العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا
يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال: { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } .
وقوله تعالى: { هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ } أي: أنتم -أيها المؤمنون-تحبون المنافقين
مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا
ظاهرا (3) { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ } أي: ليس عندكم في شيء منه شك
ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جبير، عن
ابن عباس: { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ } أي: بكتابكم وكتابهم، وبما
مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، منهم لكم.
رواه ابن جرير.
{ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ
الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } والأنامل: أطراف الأصابع، قاله قتادة.
وقال الشاعر:
أوَدُّ (4) كما ما بَلّ حَلْقِيَ ريقَتى ... وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أنْمُلي
العَشْرا (5)
وقال ابن مسعود، والسُّدِّي، والرَّبِيع بن أنس: { الأنَامِلَ } الأصابع.
وهذا شأن المنافقين يُظْهِرون للمؤمنين الإيمانَ والمودّة، وهم في الباطن بخلاف
ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: { وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ
الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } وذلك أشد الغيظ والحنق، قال الله تعالى: { قُلْ
مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: مهما
كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على
عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم
{ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: هو عليم بما تنطوي عليه
ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم
عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار
التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
ثم قال: { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
يَفْرَحُوا بِهَا } وهذه الحال دالة (6) على شدة
__________
(1) في أ، و: "تكونوا".
(2) زيادة من أ.
(3) في جـ، ر، أ، و: "لا ظاهرا ولا باطنا".
(4) في أ: "أريد".
(5) البيت في تفسير الطبري (4/43).
(6) في جـ، ر،أ، و: "وهذا الحال دال".
(2/108)
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)
العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه (1) إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا
وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة (2) -أي: جَدْب-أو
أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح
المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: { وَإِنْ تَصْبِرُوا
وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [إِنَّ اللَّهَ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] (3) } يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ
الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم،
فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع
في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.
ثم شَرَعَ تعالى في ذكر قصة أحد، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين،
والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان صَبْر الصابرين، فقال تعالى:
{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ
لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) }
__________
(1) في جـ، ر، أ، و: "أنهم".
(2) في أ، و: "المؤمنين سيئة إما".
(3) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(2/109)