× مقدمة التحقيق ترجمة الحافظ ابن كثير تفسير القرآن العظيم مقدمة ابن كثير
سورة الفاتحة سورة البقرة سورة آل عمران سورة النساء سورة المائدة سورة الأنعام سورة الأعراف سورة الأنفال سورة التوبة سورة يونس سورة هود سورة يوسف سورة الرعد سورة إبراهيم سورة الحجر سورة النحل سورة الإسراء سورة الكهف سورة مريم سورة طه سورة الأنبياء سورة الحج سورة المؤمنون سورة النّور سورة الفرقان سورة الشعراء سورة النّمل سورة القصص سورة العنكبوت سورة الرّوم سورة لقمان سورة السجدة سورة الأحزاب سورة سبأ سورة فاطر سورة يس سورة الصافات سورة ص سورة الزمر سورة غافر سورة فصّلت سورة الشورى سورة الزخرف سورة الدّخان سورة الجاثية سورة الأحقاف سورة محمد سورة الفتح سورة الحجرات سورة ق سورة الذاريات سورة الطور سورة النجم سورة القمر سورة الرحمن سورة الواقعة سورة الحديد سورة المجادلة سورة الحشر سورة الممتحنة سورة الصف سورة الجمعة سورة المنافقون سورة التغابن سورة الطلاق سورة التحريم سورة الملك سورة القلم سورة الحاقة سورة المعارج سورة نوح سورة الجن سورة المزّمّل سورة المدّثر سورة القيامة سورة الإنسان سورة المرسلات سورة النبأ سورة النازعات سورة عبس سورة التكوير سورة الإنفطار سورة المطفّفين سورة الإنشقاق سورة البروج سورة الطارق سورة الأعلى سورة الغاشية سورة الفجر سورة البلد سورة الشمس سورة الليل سورة الضحى سورة الشرح سورة التين سورة العلق سورة القدر سورة البينة سورة الزلزلة سورة العاديات سورة القارعة سورة التكاثر سورة العصر سورة الهمزة سورة الفيل سورة قريش سورة الماعون سورة الكوثر سورة الكافرون سورة النصر سورة المسد سورة الإخلاص سورة الفلق سورة النّاس
فهرس السور

تفسير ابن كثير

 

النساء

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)

{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (171) }
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة: 31].
وقال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيم قال: زعم الزُّهْرِي، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُطْرُوني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله".
ثم رواه هو وعلي بن المديني، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن الزُّهري كذلك. وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده (1) وهكذا رواه البخاري، عن الحُميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به. ولفظه: "فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمَة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك: أن رجلا قال: محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّهُ عز وجل". تفرد به من هذا الوجه (3) .
وقوله: { وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته -فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } أي: إنما هو عبد من عباد الله وخَلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، عليه السلام، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، عز وجل، فكان عيسى بإذن الله، عز وجل، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درعها،
__________
(1) في أ: "مسند".
(2) المسند (1/23، 24) وصحيح البخاري برقم (3445).
(3) المسند (3/153) وهو على شرط مسلم.

(2/477)


فنزلت حتى وَلَجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم (1) والجميع مخلوق لله، عز وجل؛ ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد (2) منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان. والروح التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ } [المائدة: 75]. وقال تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [آل عمران: 59]. وقال تعالى: { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا (3) مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 91] وقال تعالى: { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ] (4) } [التحريم: 12]. وقال تعالى إخبارا عن المسيح: { إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ] (5) } [الزخرف: 59].
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } هو كقوله: { كُنْ } [آل عمران: 59] فكان وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شَاذَّ بن يحيى يقول: في قول الله: { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير (6) في قوله: { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } أي: أعلمها بها، كما زعمه في قوله: { إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } [آل عمران: 45] أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كما قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } [القصص: 86] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى، عليه السلام.
وقال البخاري: حدثنا صَدَقَةُ بن الفضل، حدثنا (7) الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عُمَيْر بن هانئ، حدثني جُنَادةُ بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنةَ حق، والنارَ حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". قال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عُمير بن هانئ، عن جُنَادة زاد: "من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء".
وكذا رواه مسلم، عن داود بن رُشَيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به (8) ومن وجه آخر، عن الأوزاعي، به (9) .
فقوله في الآية والحديث: { وَرُوحٌ مِنْهُ } كقوله { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ }
__________
(1) في د: "والأم".
(2) في أ: "مولد".
(3) في أ: "فيه"، وهو خطأ.
(4) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(5) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(6) تفسير الطبري (9/418).
(7) في ر: "ابن".
(8) صحيح البخاري برقم (3435) وصحيح مسلم برقم (28).
(9) صحيح مسلم برقم (28).

(2/478)


[الجاثية : 13]أي: مِنْ خَلْقه ومن عنده، وليست "مِنْ" للتبعيض، كما تقوله النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة-بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى.
وقد قال مجاهد في قوله: { وَرُوحٌ مِنْهُ } أي: ورسول منه. وقال غيره. ومحبة منه. والأظهر الأول أنَّه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ } [هود: 64]. وفي قوله: { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } [الحج: 26]، وكما ورد في الحديث الصحيح: "فأدخل على رَبِّي في داره" أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمَط واحد.
وقوله: { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا صاحبة له ولا ولد، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله؛ ولهذا قال: { وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ } أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وهذه الآية والتي تأتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ } [المائدة: 73]. وكما قال في آخر السورة المذكورة: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ] (1) } الآية [المائدة: 116]، وقال في أولها: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } الآية [المائدة: 72]، فالنصارى -عليهم لعنة الله-من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكا، ومنهم من يعتقده ولدًا. وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا. ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير، وهو سعيد بن بَطْرِيق -بتْرَكُ الإسكندرية-في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أَسْقُفًا، فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى عصابة منهم قد زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفرًا، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها -وكان فيلسوفًا ذا هيئة (2) -ومَحَقَ ما عداها من الأقوال، وانتظم دَسْتُ (3) أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار (4) -ليعتقدوها-ويُعَمّدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكية. ثم إنهم اجتمعوا مجمعا ثانيًا فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية. وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم! هل اتحدا، أو ما اتحدا، بل امتزجا أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة؛ ولهذا قال تعالى: { انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ } أي: يكن خيرا لكم { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا }
__________
(1) زياد من ر، أ.
(2) في د، ر، أ: "داهية".
(3) في أ: "دست الملك".
(4) في ر: "الصغر".

(2/479)


لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)

أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الأنعام: 101]، (1) وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . [تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا] (2) } [مريم:88 :95].
{ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (173) }
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ } لن يستكبر.
وقال قتادة: لن يحتشم { الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: { وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح؛ لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح؛ فلهذا قال: { وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل.
وقيل: إنما ذكروا؛ لأنهم اتّخذُوا آلهة مع الله، كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخَلْق من خلقه، كما قال الله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ] (3) } الأنبياء: [26-29].
ثم (4) قال: { وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } أي: فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، الذي لا يجور فيه ولا يَحِيف؛ ولهذا قال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } يعني: فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسَعَة رحمته وامتنانه.
وقد روى ابن مَرْدُوَيه من طريق بَقِيَّة، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن سفيان (5) عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } قال:
__________
(1) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(2) زيادة من ر،أ، وفي هـ: "إلى قوله: "فردا".
(3) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيات".
(4) في أ: "ولهذا".
(5) في أ: "شقيق".

(2/480)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)

أجورهم: أدخلهم الجنة". { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم". (1)
وهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا فهو جيد (2) .
{ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا } أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك { فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } كما قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) }
يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرا (3) بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعُذْر، والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: { وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } أي: ضياء واضحا على الحق، قال ابن جُرَيج (4) وغيره: وهو القرآن .
{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ } أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن . رواه ابن جرير.
{ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ } أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم، { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } أي: طريقا واضحا قَصْدا قَوَاما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات . وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القرآن صراطُ اللهِ المستقيمُ وحبلُ الله المتين " . وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة .
__________
(1) في أ: "في الدنيا".
(2) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (10/248) من طريق بقية عن إسماعيل الكندي به.
وقال الهيثمي في المجمع(7/13): "فيه إسماعيل بن عبد الله الكندي ضعفه الذهبي من عند نفسه، فقال: أتى بخبر منكر وبقية رجاله وثقوا".
ورواه أبو نعيم في الحلية (4/108) من طريق ابن حمير عن الثوري عن شقيق عن عبد الله بن مسعود بنحوه، وقال: "غريب من حديث الأعمش، عزيز عجيب من حديث الثوري، تفرد به إسماعيل بن عبيد الله الكندي عن الأعمش، وعن إسماعيل بقية بن الوليد، وحديث الثوري لم نكتبه إلا عن هذا الشيخ".
(3) في ر، أ: "ومخبرا لهم".
(4) في أ: "جرير".

(2/481)


يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً

(2/481)


رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) } .
قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت: "براءة"، وآخر آية نزلت: { يَسْتَفْتُونَكَ } (1) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل عَلَيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا مريض لا أَعْقِل، قال: فتوضأ، ثم صَبَّ عَلَيّ -أو قال صبوا عليه -فَعَقَلْتُ فَقُلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث ؟ قال: فنزلت آية الفرائض.
أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة (2) ، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، به (3) . وفي بعض الألفاظ: فنزلت آية الميراث: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } الآية .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان وقال ابن الزبير قال -يعني جابرا -: نزلت في: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } .
وكأن معنى الكلام -والله أعلم-{ يَسْتَفْتُونَكَ } : عن الكلالة قل : الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك.
وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء : بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ } [أي مات] (4) { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } .
وقد أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : ثلاث وَدِدْتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة قال : قال عمر بن الخطاب: ما سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأُصْبُعِه في صدري وقال: " يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء".
هكذا رواه مختصرًا وقد أخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا (5) .
__________
(1) صحيح البخاري برقم (2605).
(2) المسند (3/298) وصحيح البخاري برقم (6743) وصحيح مسلم برقم (1616).
(3) صحيح البخاري برقم (6723) وصحيح مسلم برقم (1616) وسنن أبي داود برقم (2886) وسنن الترمذي برقم (2097) وسنن النسائي الكبرى برقم (11134) وسنن ابن ماجة برقم (1436).
(4) زيادة من أ.
(5) المسند (1/26) وصحيح مسلم برقم (1617).

(2/482)


طريق أخرى: قال [الإمام] (1) أحمد : حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا مالك -يعني ابن مِغْل-سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: " يكفيك آية الصيف ". فقال: لأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها أحبَّ إليّ من أن يكونَ لي حُمْر النَّعم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عُمَر، فإنه لم يدركه (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البَراءِ بن عازبٍ قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: " يكفيك آية الصيف " . وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عيَّاش، به (3) . وكأن المراد بآية الصيف: أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم.
ولما أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفهمها -فإن فيها كفاية-نسي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها؛ ولهذا قال: فلأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها أحب إليّ من أن يكون لي حُمْر النَّعَم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن (4) الشيباني، عن عمرو بن مُرة، عن سعيد بن المسيَّب قال: سأل عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: " أليس قد بين الله ذلك؟ " فنزلت: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ] (5) } الآية . وقال قتادة: ذُكر (6) لنا أن أبا بكر الصديق [رضي الله عنه] (7) قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلت (8) في أول "سورة النساء" في شأن الفرائض، أنزلها الله في الولد والوالد. والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم. والآية التي ختم بها "سورة النساء" أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها "سورة الأنفال" أنزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جَرّت الرحم من العَصَبة. رواه ابن جرير (9) .
ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان، وعليه التكلان:
قوله تعالى: { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ } أي: مات، قال الله تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } [القصص: 88] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا (10) الله، عز وجل، كما قال: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } [الرحمن: 26، 27].
وقوله: { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد (11) ، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه. ولكن الذي رجع (12) إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق: أنه مَنْ لا ولد له ولا
__________
(1) زيادة من أ.
(2) المسند (1/38).
(3) المسند (4/293) وسنن أبي داود برقم (2889) وسنن الترمذي برقم (3042).
(4) في أ: "حدثنا".
(5) زيادة من أ.
(6) في د: "وذكر".
(7) زيادة من أ.
(8) في د: "نزلت".
(9) تفسير الطبري (9/431).
(10) في ر: "إلا وجه الله".
(11) في أ: "الولد".
(12) في د: "يرجع".

(2/483)


والد، ويدل على ذلك قوله: { وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } ولو كان معها أب لم ترث شيئًا؛ لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مَكْحُول وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت: أنه سئلَ عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوجَ النصفَ والأخت النصفَ. فكُلِّم في ذلك، فقال: حضرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك.
تفرد به أحمد من هذا الوجه (1) ، وقد نقل ابن جرير (2) وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتًا وأختًا: إنه لا شيء للأخت لقوله: { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } قال: فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا (3) ، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية وهذه نَصب (4) أن يفرض لها في هذه الصورة ، وأما وراثتها بالتعصيب؛ فلما رواه البخاري من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: النصف للابنة، والنصف للأخت. ثم قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر: على عهد رسول الله (5) صلى الله عليه وسلم (6) . وفي صحيح البخاري أيضًا عن هُزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة (7) النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني. فسئل ابنُ مسعود -وأخبر بقول أبي موسى-فقال : لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (8) .
وقوله: { وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } أي: والأخ يرث جميع ما لها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد، أي: ولا والد؛ لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا، فإن فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه؛ كزوج، أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ؛ لما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَلْحِقُوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فَلأوْلَى رجلٍ ذَكَر" (9) .
وقوله : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } أي: فإن كان لمن يموت كلالة، أختان، فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات، في قوله: { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } .
وقوله: { وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } . هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
__________
(1) المسند (5/188).
(2) تفسير الطبري (9/443).
(3) في ر: "ولد".
(4) في أ: "تعصيب".
(5) في ر: "النبي".
(6) صحيح البخاري برقم (6734).
(7) في ر، أ: "للبنت".
(8) صحيح البخاري برقم (6736).
(9) صحيح البخاري برقم (6735) وصحيح مسلم برقم (1615).

(2/484)


وقوله: { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ } أي: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.
وقوله: { أَنْ تَضِلُّوا } أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى .
وقد قال أبو جعفر ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن عُلَيَّة، أنبأنا ابن عَوْن، عن محمد بن سيرين قال: كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند رِدْف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة. قال: ونزلت: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } فلقَّاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقاها حذيفة عُمَر، فلما كان بعد ذلك سأل عُمَرُ عنها حذيفة فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقَّانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتكها كما لقانيها (1) ، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا . قال: فكان عمر [رضي الله عنه] (2) يقول: اللهم إن (3) كنت بينتها له فإنها لم تُبَين لي.
كذا (4) رواه ابن جرير. ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى (5) ، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه. وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة (6) ، وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار في مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المَعْنيُّ، ومحمد بن مرزوق قالا: أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه: "نزلت الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم وإذا هو بحذيفة، وإذا رأس ناقة حذيفة عند مُؤتَزَر النبي صلى الله عليه وسلم، فلقَّاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر، رضي الله عنه، فلقاها إياه، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقَّانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَقَّيتُك كما لقاني، والله (7) إني لصادق، ووالله لا أزيد على ذلك شيئًا أبدًا.
ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى . وكذا رواه ابن مَردُوَيه من حديث عبد الأعلى (8) .
وقال عثمان بن أبي شَيْبَة: حدثنا جرير، عن الشَّيباني، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد -[هو] (9) ابن المسيَّب-أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يُوَرّث الكلالة؟ قال: فأنزل الله { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ] (10) } الآية (11) ، قال: فكأن عمر لم يفهم. فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نَفْس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها (12) ، فقال: "أبوك ذكر لك هذا؟ ما
__________
(1) في أ: "لقاني" وفي د: "لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم" .
(2) زيادة من أ.
(3) في ر: "من".
(4) في ر: "وكذا".
(5) في أ: "محمد".
(6) تفسير الطبري (9/435).
(7) في ر : "ووالله".
(8) مسند البزار برقم (2206) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/13): "رجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن حذيفة، ووثقه ابن حبان".
(9) زيادة من ر، أ.
(10) زيادة من ر، أ.
(11) في ر، أ: "إلى آخرها".
(12) في ر: "عنه".

(2/485)


أرى أباك يعلمها". قال: وكان (1) عمر يقول: ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال.
رواه ابن مَرْدُوَيه (2) ، ثم رواه من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس: أن عمر أمر حَفْصَة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فأملاها عليها في كَتَفٍ، فقال: "من أمرك بهذا؟ أعمر؟ ما أراه يقيمها، أوما تكفيه (3) آية الصيف؟" قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ } ، فلما سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآية التي هي خاتمة النساء، فألقى عمر الكتف. كذا قال في هذا الحديث، وهو مرسل (4) .
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرِيْبٍ، حدثنا عَثَّام، عن الأعمش، عن قيس بن مُسْلِم، عن طارق بن شهاب قال: "أخذ عمر كَتفًا وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضينَّ في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن. فخرجت حينئذ حَيّة من البيت، فتفرقوا، فقال: لو أراد الله، عز وجل، أن يتم هذا الأمر لأتمه. وهذا إسناد صحيح (5) .
وقال الحاكم أبو عبد الله النَّيْسَابُورِي: حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشَّيْبَاني بالكوفة، حدثنا الهيثمُ بن خالد، حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانَة يحدث عن عمر بن الخطاب قال: لأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحبُّ إليّ من حُمْر النَّعَم : مَن الخليفة بعده ؟ وعن قوم قالوا: نُقرُّ في الزكاة من أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة . ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (6) . ثم روي بهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مُرَّة، عن مُرة، عن عمر قال : ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَهُنّ لنا أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (7) .
وبهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة قال: سمعتُ سليمان الأحولَ يحدث، عن طاوس قال: سمعت ابن عباس قال: كنتُ آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول: القولُ ما قلتُ: قلتُ: وما قلتَ؟ قال: قلتُ: الكلالة، من لا ولد له . ثم قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وهكذا رواه ابن مَرْدُوَيه من طريق زَمْعة بن صالح، عن عمرو بن دينار وسليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كنتُ آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة، والقولُ ما قلتُ. قال: وذكر أن عمر شرك بين الإخوة للأب وللأم (8) ، وبين الإخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا، وخالفه أبو بكر، رضي الله عنهما (9) .
__________
(1) في ر: "فكان".
(2) ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في الدر المنثور (2/753).
(3) في ر: "وما تكفيه".
(4) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (587) وعبد الرزاق في المصنف برقم (19194) من طريق سفيان بن عيينة به.
(5) تفسير الطبري (9/439).
(6) المستدرك (2/303) وتعقبه الذهبي بقوله: "بل ما خرجا لمحمد شيئا ولا أدرك عمر"، فالسند فيه انقطاع.
(7) المستدرك (2/304) ووافقه الذهبي.
(8) في ر: "للأب والأم".
(9) المستدرك (2/303) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (589) من حديث سفيان عن سليمان الأحول به.

(2/486)


وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن حُمَيْد الْمَعْمَرِي (1) ، عن مَعْمَر عن الزُّهْرِي، عن سعيد بن المسيَّب: أن عمر كتب في الجَدِّ والكلالةِ كتابًا، فمكث يستخير الله فيه يقول: اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه، حتى إذا طَعِن دعا بكتاب فمحى، ولم يدرِ أحدٌ ما كتب فيه. فقال: إني كنت كتبت في الجَدِّ والكلالة كتابًا، وكنت استخرت الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه (2) .
قال ابن جرير : وقد رُوِي عن عمر، رضي الله عنه، أنه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر. وكأن أبو بكر، رضي الله عنه، يقول: هو ما عدا الولد والوالد (3) .
وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة، في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة. وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه (4) في قوله (5) : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
__________
(1) في ر: "العمري".
(2) تفسير الطبري (9/438).
(3) رواه سعيد بن منصور في السنن برقم (591) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (6/224) من طريق سفيان عن عاصم عن الشعبي قال: قال عمر فذكره.. وهو منقطع.
(4) في ر: "وصححه".
(5) في ر: "وفي قول".

(2/487)


تفسير سورة المائدة
[ وهي مدنية] (1)
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النَّضر، حدثنا أبو معاوية شَيْبان، عن لَيْث، عن شَهر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة (2) بزِمَام العَضْباء ناقةِ رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت (4) عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تَدُقّ عَضُد الناقةَ (5) .
وروى ابن مَرْدُويه من حديث صالح (6) بنِ سُهَيْل، عن عاصم الأحول قال: حدثتني أم عمرو، عن عمها؛ أنه كان في مَسِير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندَقَّ عُنُق الراحلة من ثقلها (7) .
وقال أحمد أيضًا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثني حُيَيُّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (8) عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها.
تفرد به أحمد (9) وقد روى الترمذي عن قُتَيْبَة، عن عبد الله بن وَهْب، عن حُيَيٍّ، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت: سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت: " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " [ سورة النصر : 1 ] .
وقد روى الحاكم في مستدركه، من طريق عبد الله بن وهب بإسناده (10) نحو رواية الترمذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (11) .
وقال الحاكم أيضا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بحر (12) بن نصر قال: قُرئ على عبد الله بن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفَيْر قال: حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت (13) فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. ثم قال:
__________
(1) زيادة من ر، أ.
(2) في د: "لآخذة يوما".
(3) في ر: "النبي".
(4) في د: "إذ أنزلت".
(5) المسند (6/455) وقال الهيثمي في المجمع (7/13): "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق".
(6) في ر: "صباح".
(7) ورواه ابن أبي شيبة في مسنده، والبغوي في معجمه، والبيهقي في دلائل النبوة كما في الدر المنثور (3/3) .
(8) في ر: "الختلي"، وفي أ: "الجبلي".
(9) المسند (2/176) وقال الهيثمي في المجمع (7/13): "فيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه وقد يحسن حديثه".
(10) في ر: "بإسناده نحوه".
(11) سنن الترمذي برقم (3063) والمستدرك (2/311).
(12) في أ: "محمد".
(13) في ر: "نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم".

(2/5)