وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)
{
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا
مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا
تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) }
يخبر تعالى أنه أوحى إلى نُوح لما استعجل قومُه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا
عليهم نوحُ دعوته التي قال الله تعالى (1) مخبرًا عنه أنه قال: { رَبِّ لا
تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } [نوح: 26]، { فَدَعَا
رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ } [القمر: 10]، فعند ذلك أوحى الله تعالى
إليه: { أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ } فلا تحزن
عليهم ولا يَهُمَّنك أمرهم.
{ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ } يعني: السفينة { بِأَعْيُنِنَا } أي: بمرأى منا، {
وَوَحْيِنَا } أي: وتعليمنا لك ماذا تصنعه، { وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ
ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } .
فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرِز (2) الخشب ويقطِّعه وييبسه، فكان ذلك
في مائة سنة، ونَجَرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، فالله (3) أعلم.
وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل
طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا.
وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء. وقال
قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، في عرض خمسين.
وعن الحسن: طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة ذراع.
وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع، في عرض ستمائة.
وقيل: طولها ألفا ذراع، وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم.
قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة
أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش: والوسطى للإنس: والعليا للطيور. وكان بابها في
عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثرا غريبا، من حديث علي بن زيد بن جُدْعَان،
عن يوسف بن مِهْران، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن
مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدّثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى أتى (4)
إلى كَثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه، قال (5) أتدرون ما هذا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب (6) حام بن نوح. قال: وضرب الكثيب
بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفُض التراب عن رأسه، قد شاب. قال له
__________
(1) في أ: "عز وجل".
(2) في أ: "يغرس".
(3) في ت: "والله".
(4) في ت، أ: "انتهى".
(5) في أ: "فقال".
(6) في أ: "قبر".
(4/319)
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
عيسى، عليه السلام: هكذا هلكت؟ قال: لا. ولكني متّ وأنا شابّ، ولكنني ظننت أنها
الساعة، فمن ثمَّ شبت. قال: حدِّثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع
ومائتي (1) ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب
والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب، أوحى
الله عز وجل إلى نوح، عليه السلام، أن اغمز ذَنَب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير
وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بخَرَزِ السفينة يقرضه وحبالها،
أوحى إلى نوح؛ أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنَّور وسنورة، فأقبلا
على الفأر. فقال له عيسى، عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال:
بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا
يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارها، وطين برجليها،
فعلم أن البلاد قد غَرِقت. قال: فطوّقَها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن
تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق
به (2) إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال:
فقال له: عد بإذن الله، فعاد ترابا (3)
وقوله: { وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ
سَخِرُوا مِنْهُ } أي: يَطْنزون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق، { قَالَ
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ } وعيد شديد، وتهديد أكيد، { مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ }
أي: يهنه في الدنيا، { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } أي: دائم مستمر
أبدا.
{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ (40) }
هذه مُواعدة من الله تعالى لنوح، عليه السلام، إذا جاء أمر الله من الأمطار
المتتابعة، والهَتَّان الذي لا يُقْلع ولا يَفتُر، بل هو كما قال تعالى: {
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرْضَ
عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى
ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ }
[القمر:11 -14] .
وأما قوله: { وَفَارَ التَّنُّورُ } فعن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، أي: صارت
الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور
ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.
وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: التنور: فَلَق الصبح، وتنوير الفجر، وهو
ضياؤه وإشراقه.
__________
(1) في أ: "ومائتا".
(2) في أ: "بنا".
(3) تفسير الطبري (15/311).
(4/320)
والأول أظهر.
وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة، وعن ابن عباس: عين بالهند. وعن
قتادة: عين بالجزيرة، يقال لها: عين الوردة.
وهذه أقوال غريبة.
فحينئذ أمر الله نوحا، عليه السلام، أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين -من
صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات -اثنين. ذكرا وأنثى،
فقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار،
فدخل إبليس متعلقًا بذنبه، فدخل بيده (1) ، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو
متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح: مالك؟ ويحك. ادخل. فينهض ولا يقدر، فقال: ادخل
وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة.
وذكر أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد،
حتى ألقيت عليه الحمى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني
الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم. عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف يطمئن
أو: تطمئن -المواشي ومعها (2) الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حُمَّى
نزلت الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفُوَيسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا.
فأوحى الله إلى الأسد، فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها (3) .
وقوله: { وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } أي: "واحمل فيها
أهلك، وهم أهل بيته وقرابته" إلا من سبق عليه القول منهم، ممن لم يؤمن بالله،
فكان منهم ابنه "يام" الذي انعزل وحده، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله.
وقوله: { وَمَنْ آمَنَ } أي: من قومك، { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ } أي:
نزر (4) يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعن ابن
عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم (5) نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين
نفسا. وقيل: كانوا عشرة. وقيل: إنما كانوا نوح وبنوه (6) الثلاثة سام، وحام،
ويافث، وكنائِنِه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام. وقيل: بل امرأةُ نوح
كانت
__________
(1) في ت: "بيديه".
(2) في ت: "ومعنا".
(3) وهذا مرسل، وقد ورد في سفينة نوح غير ما ذكره الحافظ وأكثرها من رواية عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم. قال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأخبار حتى كثر ذلك في
روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحق الترك". ومما رواه في شأن سفينة
نوح ما أورده ابن حجر في التهذيب (6/179) عن الساجي قال: حدثنا الربيع، حدثنا
الشافعي قال: قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: " إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين؟!" قال:
نعم. وقد ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك
عن أبيه عن نوح!!. وانظر كتاب: الإسرائيليات في كتب التفسير لمحمد أبو شهبة
(ص218).
(4) في ت، أ: "نفر".
(5) في أ: "معهم".
(6) في أ: "إنما كان وبنوه".
(4/321)
وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
معهم في السفينة، وهذا فيه نَظَرٌ، بل الظاهر أنها هلكت؛ لأنها كانت على دين
قومها، فأصابها ما أصابهم، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قَومها، والله أعلم
وأحكم.
{ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ
رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ
وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا
تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ
الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ
وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) }
يقول تعالى إخبارًا عن نوح، عليه السلام، أنه قال للذين أمر بحملهم معه في
السفينة: { ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } أي: بسم
الله يكون جَرْيُها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رُسُوها.
وقرأ أبو رجاء العَطاردي: "بسْمِ اللهِ مُجْرِيَها ومُرْسِيهَا".
وقال الله تعالى (1) : { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى
الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ
الْمُنزلِينَ } [المؤمنون:28، 29]؛ (2) ؛ ولهذا تستحب التسمية في ابتداء
الأمور: عند الركوب على السفينة وعلى الدابة، كما قال تعالى: { وَالَّذِي
خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا
تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ
إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا
هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ
} [ الزخرف:12 -14]، وجاءت السنة بالحث على ذلك، والندب إليه، كما سيأتي في
سورة "الزخرف" ، إن شاء الله وبه الثقة.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي
بكر المقدمي -وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحَرشي -قالا
حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن نَهْشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن
عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في
السفن أن يقولوا: بسم الله الملك، { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الزمر:
67]، { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
} (3) .
وقوله: { إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } مناسب عند (4) ذكر الانتقام من
الكافرين بإغراقهم أجمعين ذكْرُ أنه غفور رحيم، كما قال: { إِنَّ رَبَّكَ
لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [الأعراف: 167]، وقال: {
__________
(1) في أ: "عز وجل".
(2) في ت، "وإذا" وهو خطأ.
(3) المعجم الكبير (12/124) وقال الهيثمي في المجمع (10/132): "فيه نهشل بن
سعيد وهو متروك".
(4) في ت، أ: "عندما".
(4/322)
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ
لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } [الرعد: 6]، إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين
انتقامه ورحمته.
وقوله: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ } أي: السفينة سائرة
بهم على وجه الماء، الذي قد طَبَّق (1) جميع الأرض، حتى طفت (2) على رءوس
الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا، وقيل: بثمانين ميلا وهذه السفينة على
وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كَنَفه وعنايته (3) وحراسته وامتنانه كما قال
تعالى: { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } [الحاقة: 11،
12]، وقال تعالى: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي
بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ
مِنْ مُدَّكِرٍ } [ القمر: 13 -15] .
وقوله: { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ
مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ } هذا هو الابن الرابع، واسمه "يام"،
وكان كافرا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما
يغرق الكافرون، { قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ } وقيل:
إنه اتخذ له مركبا من زُجاج، وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته. والذي نص
عليه القرآن أنه قال: { قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ }
اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل
لنجّاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح، عليه السلام: { لا عَاصِمَ الْيَوْمَ
مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ } أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله.
وقيل: إن عاصما بمعنى معصوم، كما يقال: "طاعم وكاس" ، بمعنى مطعوم ومكسُوّ، {
وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } .
{ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ
الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) }
يخبر تعالى أنه لما غرق (4) أهل الأرض إلا أصحاب السفينة، أمر (5) الأرض أن
تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تُقلعَ عن المطر، {
وَغِيضَ الْمَاءُ } أي: شرع في النقص، { وَقُضِيَ الأمْرُ } أي: فُرغَ من أهل
الأرض قاطبة، ممن كفر بالله، لم يبق منهم دَيّار، { وَاسْتَوَتْ } السفينة بمن
فيها { عَلَى الْجُودِيِّ } قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ
من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله عز وجل، فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح عليه
السلام.
وقال قتادة: استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى (6) الله
سفينة نوح، عليه السلام، على الجُودي من أرض الجزيرة عِبرة وآية حتى رآها أوائل
هذه الأمة، وكم من سفينة قد
__________
(1) في ت: "طبق به".
(2) في أ: "طفف"
(3) في ت: "وغايته"، وفي أ: "ورعايته".
(4) في ت، أ: "أغرق".
(5) في ت، أ: "أنه أمر".
(6) في ت، أ: "أقفى".
(4/323)
كانت بعدها فهلكت، وصارت رمادًا (1) .
وقال الضحاك: الجُوديّ: جبل بالموصل: وقال بعضهم: هو الطور.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن
توبة (2) بن سالم قال: رأيت زِرّ بن حُبَيش يصلي في الزاوية حين يُدخل من أبواب
كِندة على يمينك فسألته إنك لكثير (3) الصلاة هاهنا يوم الجمعة :! قال: بلغني
أن سفينة نوح أرْسَتْ من هاهنا.
وقال عِلْباء بن أحمد، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة
ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما، وإن الله
وجّه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها الله إلى الجُودِيّ
فاستقرت عليه، فبعث نوح الغرابَ ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ
عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون، ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح، عليه
السلام، أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجُودِيّ، فابتنى قرية وسماها ثمانين،
فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان (4) العربي.
فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، وكان نوح عليه السلام يُعبّر عنهم.
وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على
الجوديّ.
وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين واستقرت بهم على
الجودي شهرًا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو
هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير (5) . وأنهم صاموا يومهم ذاك (6) ، فالله
أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حَبِيب الأزدي، عن أبيه
حبيب بن عبد الله، عن شُبَيل، عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم
بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ما هذا الصوم؟ قالوا: هذا اليوم
الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت (7)
فيه السفينة على الجُودِيّ، فصامه (8) نوح وموسى، عليهما السلام، شكرًا لله عز
وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم".
فصام، وقال لأصحابه: "من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه، ومن كان أصاب من
غَذاء أهله، فليتم بقية يومه" (9)
وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، ولبعضه شاهدٌ في الصحيح (10) .
__________
(1) في ت: "مدادا".
(2) في ت، أ: "تربة".
(3) في أ" "لتكثر".
(4) في ت: "لسان".
(5) تفسير الطبري (15/335) وهو موضوع.
(6) في أ: "ذلك".
(7) في ت، أ: "استقرت".
(8) في ت، أ: "فصام".
(9) المسند (2/359).
(10) في صحيح البخاري برقم (4680) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا
يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أنتم أحق
بموسى منهم، فصوموا".
(4/324)
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)
وقوله: { وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: هلاكًا وخسارًا (1)
لهم وبعدا (2) من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق لهم بقية.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما (3)
من حديث موسى بن يعقوب (4) الزمعي، عن قائد -مولى عبيد الله بن أبي رافع -أن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه
وسلم أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو رحم الله من قوم نوح أحدًا
لرحم أم الصبي"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان نوح، عليه السلام، مكث
في قومه ألف سنة [إلا خمسين عاما] (5) ، يعني وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت وذهبت
كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون: تعمل (6)
سفينة في البَرّ، فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونَبَع الماء، وصار في
السكك خشِيت أمّ الصبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدًا، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت
ثلثه (7) فلما بلغها الماء [ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء] (8) خرجت
به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم
أحدا لرحم أم الصبي" (9) .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار، ومجاهد بن جبر قصةُ هذا
الصبي وأمه بنحو من هذا.
{ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ
وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) }
__________
(1) في ت، أ: "هلاك وخسارا".
(2) في ت، أ: "وبعد".
(3) في ت، أ: "تفسيرهما".
(4) في ت، أ: "يعقوب بن موسى".
(5) زيادة من الدر المنثور. مستفاد من ط. الشعب.
(6) في ت: "يعمل".
(7) في ت، أ: "قتله".
(8) زيادة من الدر المنثور. مستفاد من ط. الشعب.
(9) تفسير الطبري (15/310) ورواه الحاكم في المستدرك (2/342) من طريق سعيد بن
أبي مريم عن موسى بن يعقوب به نحوه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"
وتعقبه الذهبي قلت: "إسناده مظلم وموسى بن يعقوب ليس بذاك".
(4/325)