أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) } .
(5/449)
وهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل (1) الرياح، فتثير
سحابا، فيمطر على الأرض الجُرُز التي (2) لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء
قحلة، { فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } [ الحج:
5].
وقوله: { فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً } ، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل
شيء بحسبه، كما قال: { خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ
مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا } [ المؤمنون: 14 ]، وقد ثبت في
الصحيحين: "أن بين كل شيئين أربعين يوما" ومع هذا هو معقب (3) بالفاء، وهكذا
هاهنا قال: { فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً } أي: خضراء بعد يبسها ومُحُولها
(4) .
وقد ذكر عن بعض أهل (5) الحجاز: أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم.
وقوله: { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } أي: عليم بما في أرجاء الأرض
وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه
من الماء فينبته به، كما قال لقمان: { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ
أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [
لقمان: 16 ]، وقال: { أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } [ النمل: 25 ]، وقال تعالى: { وَمَا تَسْقُطُ مِنْ
وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ
وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [ الأنعام: 59 ]، وقال { وَمَا
يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ } الآية [ يونس: 61 ] ؛ ولهذا
قال أمية بن [أبي] (6) الصلت-أو: زيد بن عمرو بن نُفيل-في قصيدته:
وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ في الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ
يَهْتَزُّ رَابيَا? ...
ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيات لمَنْ كَانَ وَاعيا (7)
وقوله: { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء
فقير إليه، عبد لديه.
وقوله: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ } أي: من
حيوان، وجماد، وزروع، وثمار. كما قال: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } [ الجاثية: 13 ] أي: من
إحسانه وفضله وامتنانه، { وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } أي:
بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العَجَاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها
(8) بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع
__________
(1) في أ: "وأنه مرسل".
(2) في أ: "الذي".
(3) في أ: "تعقيب".
(4) في أ: "وقحوطا".
(5) في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.
(6) زيادة من ف، أ.
(7) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/228).
(8) في أ: "بأمرها".
(5/450)
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69)
ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما
ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه، {
وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ } أي: لو شاء
لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك
السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ
لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: { وَإِنَّ رَبَّكَ
لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ
الْعِقَابِ } [ الرعد: 6 ].
وقوله: { وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ } ، كقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ البقرة: 28 ]، وقوله: { قُلِ اللَّهُ
يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لا رَيْبَ فِيهِ } [ الجاثية: 26 ]، وقوله: { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا
اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } [ غافر: 11 ] ومعنى الكلام: كيف
تجعلون [مع] (1) الله أندادا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق
والتصرف، { وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ } أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا
يذكر، فأوجدكم { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } أي: يوم القيامة، {
إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ } أي: جحود.
{ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ
فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67)
وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ
يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
(69) } .
يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم (2) منسكا.
قال ابن جرير: يعني: لكل أمة نبي منسكا. قال: وأصل المنسك في كلام العرب: هو
الموضع الذي يعتاده الإنسان، ويتردد إليه، إما لخير أو شر. قال: ولهذا سميت
مناسك الحج بذلك، لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها (3) .
فإن كان كما قال من أن المراد: { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا } فيكون
المراد بقوله: { فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ } أي: هؤلاء المشركون. وإن
كان المراد: "لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا -كما قال: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ
هُوَ مُوَلِّيهَا } [ البقرة: 148 ] ولهذا قال هاهنا: { هُمْ نَاسِكُوهُ } أي:
فاعلوه-فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما
يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما
أنت عليه من الحق؛ ولهذا قال: { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى
مُسْتَقِيمٍ } أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود.
وهذه كقوله: { وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ
إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } [ القصص: 87 ].
__________
(1) زيادة من ت، ف.
(2) في ت: "أمة".
(3) تفسير الطبري (17/138).
(5/451)
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)
وقوله: { وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } ،
كقوله: { وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ
بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } [ يونس: 41
].
وقوله: { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله:
{ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ } [ الأحقاف: 8 ] ؛ ولهذا قال: { اللَّهُ (1) يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }
وهذه كقوله: { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ
لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ
أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } [ الشورى: 15 ].
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ
ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) } .
يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا
يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه
تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت
في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن
الله قدّر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه
على الماء" (2) .
وفي السنن، من حديث جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن.
فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا ابن بُكَيْر، حدثني ابن لَهِيعة،
حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جُبَيْر قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح
المحفوظ مَسِيرَة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق -وهو على العرش تبارك
وتعالى-: اكتب. قال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة.
فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة. فذلك قوله تعالى للنبي
صلى الله عليه وسلم: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاءِ وَالأرْضِ }
وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضًا، فما
العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك، على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق
أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علما،
وهو سهل عليه، يسير لديه؛ ولهذا قال تعالى: { إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }
__________
(1) في ت: "والله" وهو خطأ.
(2) صحيح مسلم برقم (2653) بلفظ "كتب الله مقادير الخلائق".
(3) جاء من حديث عبادة بن الصامت: أخرجه أبو داود في السنن برقم (4700)
والترمذي في السنن برقم (3319) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وجاء من
حديث ابن عباس: رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص 378).
(5/452)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)
{
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا
لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ
كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ
آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا
اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) } .
يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون الله ما لم
ينزل به سلطانا، يعني: حجة وبرهانا، كقوله: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } [ المؤمنون: 117 ]. ولهذا قال هاهنا: {
مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } أي: ولا
علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا
دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم؛ ولهذا توعدهم تعالى بقوله:
{ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل
بهم من العذاب والنكال.
ثم قال: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } أي: وإذا ذكرت
لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو،
وأن رسله الكرام حق وصدق، { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ
عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل
الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء! { قُلْ } أي: يا
محمد لهؤلاء. { أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا
اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا (1) } أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم
وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم
هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.
وقوله: { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } أي: وبئس النار منزلا ومقيلا ومرجعا وموئلا
ومقاما، { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } [ الفرقان: 66 ].
__________
(1) في ت، ف، أ: "كفروا وبئس المصير".
(5/453)