تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)
{
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا
(44) } .
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى، المنعم عليهم بأنواع
النعم وأصناف (1) المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد (2) ، حدثني مولى بن
عياش (3) عن أبي بَحرية (4) ، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم،
وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرق، وخير لكم من أن تلقوا
عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟" قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال:
"ذكر الله عز وجل".
وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد
-مولى ابن عياش (5) -عن أبي بَحرية -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي -عن أبي
الدرداء، به (6) . قال الترمذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله.
__________
(1) في أ: "وصنوف".
(2) في أ: "سعد".
(3) في أ: "عباس".
(4) في أ: "عن أبي عرة".
(5) في أ: "عباس".
(6) المسند (5/195) وسنن الترمذي برقم (3377) وسنن ابن ماجه برقم (3790).
(6/431)
قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتِ } في مسند [الإمام] (1) أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى
عبد الله بن عَيَّاش: أنه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، بنحوه، فالله أعلم.
وقال (2) الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا فرج بن فَضَالة، عن أبي سعد
الحِمْصي قال: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه
وسلم لا أدعه: "اللهم، اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ
وصيتك". (3)
ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي
سعيد الحمصي، عن أبي هريرة، فذكر مثله وقال: غريب. (4)
وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن
أبي سعيد المدني (5) عن أبي هريرة فذكره. (6)
وقال (7) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن معاوية بن صالح، عن
عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بُسْر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "مَنْ طال عمره
وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا (8) ،
فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رَطْبًا بذكر الله" . (9)
وروى الترمذي وابن ماجه [منه] (10) الفصل الثاني، من حديث معاوية بن صالح، به.
(11) وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال (12) الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج (13) ، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث
قال: إنّ دَرّاجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون." (14)
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مُكرم العَمِّي، حدثنا
سعيد بن سفيان (15) الجَحْدَرِي، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي
ثُبَيت (16) الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "اذكروا الله ذكرا كثيرا [حتى] (17) يقول
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت: "وروى".
(3) المسند (2/477).
(4) سنن الترمذي برقم (3604).
(5) في أ: "المزني".
(6) المسند (2/311).
(7) في ت: "وروى".
(8) في ت: "عليَّ".
(9) المسند (4/190).
(10) زيادة من ف، أ.
(11) سنن الترمذي برقم (3375) وسنن ابن ماجه برقم (3793).
(12) في ت: "وروى".
(13) في أ: "شريح".
(14) المسند (3/68) وفيه دراج، عن أبي الهيثم ضعيف.
(15) في أ: "سفر".
(16) في أ: "سبب".
(17) زيادة من ت، ف، أ، والمعجم.
(6/432)
المنافقون: تراءون." (1)
وقال (2) الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة
الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه، إلا رأوه
حسرة يوم القيامة." (3)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: { اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا
كَثِيرًا } : إن الله لم يفرض [على عباده] (4) فريضة إلا [جعل لها حدا معلوما،
ثم] (5) عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي
إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه، إلا مغلوبا على تركه، فقال: { فَاذْكُرُوا
اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } [النساء:103] ، بالليل
والنهار، [في البر والبحر] (6) ، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة
والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
وَأَصِيلا } فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته.
والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدا، وفي هذه الآية
الكريمة الحث على الإكثار (7) من ذلك.
وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري
وغيرهما (8) ، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب الأذكار للشيخ محيي الدين
النووي، رحمه الله تعالى (9)
__________
(1) المعجم الكبير للطبراني (12/169) وقال الهيثمي في المجمع (10/76): "فيه
الحسين بن أبي جعفر الجعفري وهو ضعيف".
(2) في أ: "زاده".
(3) المسند (2/224) وقال الهيثمي في المجمع (10/80): "رجاله رجال الصحيح".
(4) زيادة من ت، ف، أ.
(5) زيادة من ت، ف، أ.
(6) زيادة من ت، ف، أ.
(7) في أ: "الإكثرار".
(8) في ت: "والمعمري والكلم الطيب لشيخ الإسلام وغيرهم".
(9) وقد طبع كتاب الأذكار بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في دار الهدى
وعليه تخريج لابن علان اسمه: "الفتوحات الربانية" طبع في الهند.
هذا وقد جاء في نسخة "ت" بعد هذه الفقرة ما يلي:
"فذكر الله أصل موالاة الله، عز وجل، ورأسها. والغفلة أصل معاداته ورأسها، فإن
العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه
ويعاديه. قال الله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان
أمره فرطا) وما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله، فالذكر
جلاب النعم دفاع النقم. قال تعالى: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا) وفي القراءة
الأخرى: (يدافع عن الذين آمنوا) فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله
ومادة الإيمان وقوته بذكر الله، فمن كان أكمل إيمانا وأكثر ذكرا كان دفاع الله
عنه، ودفعه أعظم. ومن نقص نقص ذكر بذكر ونسيان بنسيان، وقال تعالى: (وإذ تأذن
ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم) والذكر رأس الشكر، والشكر جلاب النعم، موجب للمزيد.
قال بعض السلف: ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن برك. ومجالس الذكر رياض
الجنة كما روى ابن أبي الدنيا من حديث جابر، عن عبد الله قال: خرج علينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يأيها الناس ارتعوا في رياض الجنة" قلنا يا
رسول الله: وما رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر"، ثم قال: "اغدوا وروحوا فاذكروا
فمن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله
ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه". فمجالس الذكر مجالس الملائكة كما في
الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن لله ملائكة فَضْلا عن كتاب الناس يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا
وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلم إلى حاجتكم، فتحف بأجنحتها إلى السماء
الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك
ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال: وهل رأوني؟ قال: يقولون: لا والله يا ربنا ما
رأوك، فيقول: كيف لو أنهم رأوني؟ قال: فيقولون: لو أنهم رأوك كانوا أشد عبادة
وأشد تحميدا وتمجيدا، وأكثر تسبيحا، فيقول: ما يسألوني؟ فيقولون: يسألونك
الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربنا ما رأوها، فيقول: كيف لو
رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد حرصا عليها، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها
رغبة، فيقول: مم يتعوذون؟ قال: فيقولون: من النار، فيقول: هل رأوها؟ فيقولون:
لا والله يا ربنا ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد
منها فرارا وأشد لها مخافة، فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من
الملائكة: إن فيهم فلانا ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم القوم لا يشقى بهم
جليسهم"، فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله: (وجعلني
مباركا أينما كنت) [مريم:31] وإن الله، عز وجل، ليباهى بالذاكرين الملائكة، كما
روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد،
فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا:
والله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أما إني لم أسألكم تهمة لكم، وما كان أحد
بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل
عنه حديثا مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه.
قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومَنْ علينا بك. قال:
"آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟" قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك؟ قال: "أما إني لم
أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة" فهذه
المباهاة من الرب تبارك وتعالى، دليل على شرف الذكر عنده ومحبته له وأن له مزية
على غيره من الأعمال.
والذكر نوعان: أحدهما: ذكر أسماء الرب وصفاته والثناء عليه، وتنزيهه وتقديسه
عما لا يليق به وهذا أيضا نوعان: أحدهما: إنشاء الثناء بها من الذاكر، وهذا
النوع هو المذكور في الحديث نحو: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله
والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونحو ذلك، فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه
نحو: سبحان الله عدد خلقه، فهذا أفضل من مجرد سبحان الله، وقول: الحمد لله عدد
ما خلق في السماء، وعدد ما خلق في الأرض، وعدد ما خلق بينهما، وعدد ما هو خالق،
أفضل من مجرد قولك: الحمد لله، وهذا في حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لها: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم،
لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه،
سبحان الله مداد كلماته". رواه مسلم. وفي الترمذي وسنن أبي داود عن سعد بن أبي
وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة بين يديها نوى أو حصى
تسبح به، فقال: "أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟" فقال: سبحان الله عدد
ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين
ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل
ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك".
والنوع الثاني: الخبر عن الرب تبارك وتعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: إن
الله، عز وجل، يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا يخفى عليه خافية من
أعمالهم، وهو أرحم من آبائهم وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة
عبده من الفاقد الواجد ونحو ذلك. وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على
نفسه، وبما أثنى عليه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن
غير تشبيه ولا تمثيل كما قال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وهذا النوع
أيضا ثلاثة أنواع: حمد، وثناء، ومجد.
فالحمد: الإخبار عنه بصفات كماله مع محبته والرضا عنه، ولا يكون المحب الساكت
حامدا، ولا المثنى بلا محبة حامدا، حتى يجمع له المحبة والثناء، فإن كرر
المحامد شيئا بعد شيء، كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة
والكبرياء والملك كان مجدا. قد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة فى أول
سورة فاتحة الكتاب، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني
عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال: أثنى عَلَيَّ عبدي. وإذا قال: (مالك يوم
الدين) قال: مجدني عبدي.
والنوع الثاني من الذكر: ذكر أمره ونهيه وأحكامه، وهذا أيضا نوعان: أحدهما:
ذكره بذلك إخبارا عنه بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا وأحب كذا وسخط كذا، والثاني:
ذكره عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فذكر أمره ونهيه شيء، وذكره
عند أمره ونهيه شيء آخر، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر، فذكره أفضل الذكر
وأجله وأعظمه.
فائدة:
فهذا ذكره هو الفقه الأكبر، وما دونه من أفضل الذكر إذا صحت فيه النية، ومن
ذكره تعالى ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده، وهذا من
أجل أنواع الذكر، فهذه خمسة أنواع، وهي تكون بالقلب واللسان، وإنما كان ذكر
القلب وحده أفضل من ذكر اللسان؛ لأن ذكر القلب يثمر المعرفة، ويصح المحبة،
ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويردع عن التقصير في
الطاعة والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئا ما من تلك
الأثمار، وإن أثمر شيئا ما، فثمرته ضعيفة.
والذكر أفضل من الدعاء؛ لأن الذكر ثناء على الله، عز وجل، بجميل صفاته وآلائه
وأسمائه، والدعاء سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟ ولهذا جاء في الحديث:
"مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". ولهذا كان مستحبا في
الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته
كما جاء في حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو
في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "لقد عجل هذا"، ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم،
فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم
يدعو بما شاء ". رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهكذا دعا ذو
النون الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها
مكروب إلا فرج الله كربه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وفي
الترمذي: دعوة أخي ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك
إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له".
وهكذا عامة الأدعية النبوية، ومنه
قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب: "لا إله إلا الله رب العرش
العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم". ومنه
حديث بريدة الأسلمي، رواه أهل السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا
يدعو وهو يقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد
الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فقال: "والذي نفسي بيده لقد
سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى". وروى أبو داود
والنسائي من حديث أنس أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلي ثم
دعا: اللهم أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض يا ذا
الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي
إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى" وروى أبو داود والنسائي من حديث أنس، فأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه هذا الثناء والذكر، وأنه
اسم الله الأعظم، فكان ذكر الله والثناء عليه أنجح ما سأل به حوائجه، فهذا من
فوائد الذكر، وهو أنه يجعل الدعاء مستجابا فلهذا قال تعالى: (يا أيها الذين
آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) فالدعاء الذي يتقدمه الذكر
والثناء أقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد
بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه، كان أبلغ في الإجابة وأفضل. فإنه يكون قد
توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرض، بل صرح، بشدة حالته وضرورته
وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه وأوصاف المسؤول مقتضى منه، فاجتمع المقتضى من
السائل والمقتضى من المسؤول في الدعاء، فكان أبلغ وألطف موقعا وأتم معرفة
وعبودية، وأنت ترى في الشاهد ولله المثل الأعلى أن الرجل إذا توسل إلى من يريد
معروفه بكرمه وجوده وبره، وذكر حاجته هو وفقره ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول
وأقرب إلى قضاء حاجته من أن يقول له ابتداء أعطني كذا وكذا، فإذا عرف هذا فتأمل
قول موسى، عليه السلام: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) وقول ذي النون في
دعائه: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وقول أبينا آدم: (ربنا
ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وفي الصحيحين أن أبا
بكر الصديق رضي الله عنه؛ قال يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال:
"قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من
عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر
بين الاعتراف بحاله، والتوسل إلى ربه بفضله وجوده، وأنه المتفرد بغفران الذنوب
ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معا فهكذا آداب الدعاء والعبودية.
وقراءة القرآن أفضل الأذكار وهي أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، وهذا من
حيث النظر إلى كل واحد منهما مجردا، وقد تعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل،
بل تعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود،
فإنه أفضل من قراءة القرآن، وكذلك التشهد، وكذلك رب اغفر لي بين السجدتين، وقول
رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني بين السجدتين أفضل من القراءة. وكذلك
الذكر عقيب السلام من الصلاة، ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد أفضل من
الاشتغال عنه بالقراءة. وكذلك إجابة المؤذن، والقول كما يقول، أفضل من القراءة،
وإن كان فضل القرآن على كل كلام كفضل الله على خلقه، لكن لكل مقام مقال، متى
فات مقاله فيه وعدل عنه إلى غيره، واختلت الحكمة، وفقدت المصلحة المطلوبة منه،
وهكذا الأذكار المفيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة اللهم إلا أن يعرض
للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن، مثاله أن يحدث له من
التفكر في ذنوبه فيحصل له توبة واستغفار أو يحصل له ما يخاف أذاه من شياطين
الإنس والجن، فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحوطه، وكذلك أيضا قد
يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها بقراءة القرآن، لم يحضر قلبه فيها.
وإذا أقبل على الذكر والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله، وأحدث له تضرعا
وخشوعا وابتهالا، فهذا قد يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع له، وإن كان
كل من القراءة والذكر أفضل وأكثر أجرا، وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نص وفرقان
بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة، فيعطي كل ذي حق حقه ويضع كل شيء
موضعه، فللعين موضع، وللرجل موضع، وللماء موضع، وللحم موضع، وحفظ المراتب هو من
تمام الحكمة التي هي نظام الأمر والنهي، والله الموفق.
وهكذا الصابون والأشنان أنفع للثوب في وقت، والتحمير وماء الورد أنفع له في
وقت. وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يوما: سئل بعض أهل العلم: أيما
أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيا فالبخور وماء الورد
نافع له، وإن كاد دنسا فالصابون والماء الجاري أنفع له فقال: كيف والثياب لا
تزال دنسة؟.
ومن هذا الباب أن سورة (قل هو الله أحد الله) تعدل ثلث القرآن، ومع هذا فلا
تقوم مقام آيات المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها، بل هذه الآيات في
وقتها، وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص. ولما كانت الصلاة مشتملة
على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، فكانت
أفضل من كل القراءة والذكر والدعاء بمفرده بجمعها ذلك كله مع عبودية سائر
الأعضاء فهذا أصل نافع جدا للعبد يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال وينزلها
منازلها لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيرنح عليه إبليس الفضل الذي بينهما أو
ينظر إلى فاضلها فيشتغل عن مفضولها، وإن كان ذلك وقته فتفوته مصلحته بالكلية
لظنه أن اشتغاله به أكثر ثوابا وأعظم أجرا". اهـ.
(6/433)
وقوله: { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا } أي: عند الصباح والمساء، كقوله: {
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي
السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [الروم:17، 18]
وقوله: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ } : هذا تهييج إلى
الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا
فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا
تَعْلَمُونَ . فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ }
[البقرة: 151، 152]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: مَنْ ذكرني في
نفسه ذكرته في نفسي، ومَنْ ذكرني في مَلأ ذكرته في ملأ خير منهم" (1)
والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية.
ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عنه.
وقال غيره: الصلاة من الله: الرحمة [ورد بقوله: { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } ] (2)
وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.
وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار (3) ، كقوله: {
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ
وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ } الآية. [غافر: 7-9].
وقوله: { لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: بسبب رحمته
بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور
الهدى واليقين. { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } أي: في الدنيا والآخرة،
أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبَصّرهم الطريق الذي
ضَلَّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم (4) من
الطغام (5) . وأما رحمته بهم في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته
يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم
ورأفته بهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، رضي الله عنه، قال:
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت
أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، وَسَعَت
فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم (7405) ومسلم في صحيحه برقم (2675) من حديث أبي
هريرة، رضي الله عنه.
(2) زيادة من ت.
(3) في ت: "والاستغفار إليهم".
(4) في ت، أ: "وأتباعهم".
(5) في أ: "الطغاة".
(6/436)
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)
هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فَخَفَّضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
"ولا الله (1) ، لا يلقي حبيبه في النار".
إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة (2) ، ولكن في
صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته
فقال: "أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟" قالوا: لا. قال:
"فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (3) .
وقوله: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ } الظاهر أن المراد -والله
أعلم -{ تَحِيَّتُهُمْ } أي: من الله تعالى يوم يلقونه { سَلامٌ } أي: يوم يسلم
عليهم كما قال تعالى: { سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } [يس:58].
وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي (4) بعضهم بعضا بالسلام، يوم يلقون الله في
الدار الآخرة. واختاره ابن جرير.
قلت: وقد يستدل بقوله (5) تعالى: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ } [يونس: 10]، وقوله : { وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا
كَرِيمًا } (6) يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن،
والمناكح والملاذ والمناظر وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا
وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا (47)
وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (48) } .
قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن علي
(7) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة
رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في
التوراة بصفته في القرآن: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك
المتوكل، لست بفظ (8) ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة،
ولكن يعفو ويغفر (9) ، ولن يقبضَه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن لا إله
إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا".
__________
(1) في أ: "لا والله".
(2) المسند (3/104).
(3) صحيح البخاري برقم (5999).
(4) في ت: "يحيون".
(5) في ت، ف، أ: "وقد يستدل له بقوله".
(6) في ت: "عظيما" وهو خطأ.
(7) في ت: "روى الإمام أحمد بإسناده".
(8) في ت: "لا بفظ" وفي أ: "لا فظ".
(9) في ف: "يعفو ويصفح ويغفر".
(6/437)
وقد رواه البخاري في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فُلَيْح بن سليمان، عن هلال
بن علي به. ورواه في التفسير عن عبد الله -قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح -عن
عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، به
(1) . ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن أبي
سلمة الماجشون، به.
وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام.
وقال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل -يقال له: شعياء
-أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني منطق لسانك بوحي وأبعث أميا من الأميين،
أبعثه [مبشرا] (2) ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج
لم يطفئه، من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا
ونذيرا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كُمْهًا (3) ، وآذانا صما، وقلوبا غلفا،
أسَدّده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره،
والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه،
والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به
بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمَالة، وأعرف به بعد
النُّكْرَة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيْلَة، وأجمع به بعد الفرقة،
وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فِئامًا من
الناس عظيمة (4) من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي (5) ، ألهمهم
التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم
ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قياما وقعودا، ويقاتلون في سبيل الله (6) صفوفا
وزُحوفا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، يطهرون الوجوه والأطراف،
ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل
ليُوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء
والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعز مَنْ نصرهم، وأؤيد مَنْ
دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على مَنْ خالفهم أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع
شيئا مما في أيديهم. أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويوفون بعهدهم، أختم بهم
الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم.
هكذا رواه ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه اليماني، رحمه الله.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن
بن محمد
__________
(1) المسند (2/174) وصحيح البخاري برقم (2125) ورقم (4838).
(2) زيادة من ت، ف.
(3) في ت: "أعينا عميا كمها".
(4) في ت: "عظيم".
(5) في ت: "الرسل".
(6) في أ: "في سبيلي".
(6/438)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)
بن
عبيد الله العَرْزَمي (1) ، عن شَيْبَان النحوي، أخبرني قتادة، عن عِكْرِمة، عن
ابن عباس (2) قال: لما نزلت: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } -وقد كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى
اليمن -فقال: "انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: {
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا
وَنَذِيرًا } .
ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح
الأزدي، عن عبد الرحمن [بن محمد] (3) بن عبيد الله العرزمي، بإسناده مثله (4) .
وقال في آخره: "فإنه قد أنزل (5) علي: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على
أمتك ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله
بإذنه، وسراجا منيرا بالقرآن".
وقوله: { شَاهِدًا } أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس
بأعمالهم يوم القيامة، { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } ، [كقوله: {
لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا } ] (6) [البقرة: 143].
وقوله: { وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } أي: بشيرا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا
للكافرين من وبيل العقاب.
وقوله: { وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ } أي: داعيا للخلق إلى عبادة
ربهم عن أمره لك بذلك، { وَسِرَاجًا مُنِيرًا } أي: وأمرُك ظاهر فيما جئت به من
الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.
وقوله: { وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ } ،
أي: لا تطعهم و[لا] (7) تسمع منهم في الذي يقولونه (8) { وَدَعْ أَذَاهُمْ }
أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله، فإن فيه كفايةً لهم؛ ولهذا قال: {
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ
مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلا (49) } .
هذه الآية الكريمة فيها أحكام (9) كثيرة. منها: إطلاق النكاح على العقد وحده،
وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في
العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو
في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده؛ لقوله: {
إِذَا نَكَحْتُمُ (10) الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ
أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } . وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها .
__________
(1) في أ: "عبد الله القرشي".
(2) في ت: "ثم روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عباس".
(3) زيادة من ت، ف، والمعجم.
(4) المعجم الكبير (11/312) وقال الهيثمي في المجمع (7/92): "وفيه عبد الرحمن
بن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف".
(5) في ت، أ: "أنزلت".
(6) زيادة من ت، ف، أ.
(7) زيادة من ت.
(8) في أ: "في الذين يتولونهم".
(9) في ت "اشتملت على أحكام".
(10) في ت: "نكحتموا".
(6/439)
وقوله: { الْمُؤْمِنَاتِ } خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة
والكتابية في ذلك بالاتفاق. وقد استدل ابن عباس، وسعيد بن المسَيَّب، والحسن
البصري، وعلي بن الحسين، زين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن
الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح؛ لأن الله تعالى قال: { إِذَا نَكَحْتُمُ (1)
الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } ، فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه
لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وطائفة كثيرة من السلف
والخلف، رحمهم الله تعالى.
وذهب مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله، إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال:
"إن تزوجت فلانة فهي طالق". فعندهما متى تزوجها طلقت منه. واختلفا فيما إذا
قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق". فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال
أبو حنيفة، رحمه الله: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور
فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شُمَيْل، حدثنا
يونس -يعني: ابن أبي إسحاق -سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال: [إذا قال] (2) : كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله
تعالى يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } الآية.
وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسِي، حدثنا وَكِيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن
يَنّاق (3) ، عن ابن عباس قال: إنما قال الله تعالى: { إِذَا نَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } ، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح؟!
وهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال
الله: { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } فلا طلاق
[قبل النكاح] (4) .
وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك". رواه الإمام أحمد والترمذي،
وأبو داود، وابن ماجه (5) . وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وهو أحسن شيء روي في
هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجه عن علي، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا طلاق قبل نكاح" (6) .
[وفي الآية دليل على أن المسيس مطلق، ويراد به الوطء] (7) .
__________
(1) في ت: "نكحتموا".
(2) زيادة من ت.
(3) في ت: "وروى أيضا بإسناده".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) المسند (2/189) وسنن الترمذي برقم (1181) وسنن أبي داود برقم (2191) وسنن
ابن ماجه برقم (2047).
(6) سنن ابن ماجه برقم (2048) من طريق علي بن الحسين، عن هشام بن سعد، عن
الزهري، عن عروة، عن المسور، به. وقال البوصيري في الزوائد (2/132) : "هذا
إسناد حسن، علي بن الحسين وهشام بن سعد مختلف فيهما" . وبرقم (2049) من طريق
جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، به. وقال البوصيري في الزوائد
(2/132) : "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف جويبر بن سعيد البجلي، لكن لم
ينفرد به جويبر، فقد رواه البيهقي في الكبرى (7/320) من طريق معاذ العنبري، عن
حميد الطويل، عن الحسن عن علي به، ثم رواه من طريق سعيد عن جويبر به موقوفا من
الطريقين معا".
(7) زيادة من ت.
(6/440)
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)
وقوله (1) : { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } : هذا
أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها
فتذهب فتتزوج في فورها مَنْ (2) شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها
زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا.
وقوله: { فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا } : المتعة هاهنا
أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها، قال
الله تعالى: { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [البقرة: 237]، وقال {
لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ
وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 236].
وفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أسيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تزوج أميمة بنت شَرَاحيل، فلما أدخلت (3) عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك،
فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيَّين (4) .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: إن كان سمى لها صداقا، فليس
لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو
السراح الجميل.
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي
آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ
عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ
خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً
لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي
أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) } .
يقول تعالى مخاطبا نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه قد أحل له من النساء
أزواجه اللاتي أعطاهن مُهُورَهُنَّ، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير
واحد، وقد كان مَهْرُه لنسائه اثنتي (5) عشرة أوقية ونَشّا وهو نصف (6) أوقية،
فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي،
رحمه الله، أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حُيَيّ فإنه اصطفاها من سَبْي خيبر،
ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها
كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن (7) .
__________
(1) في هـ: "قال".
(2) في ت: "في فورها متى" وفي أ: "في قرئها من".
(3) في ت: "فلما دخلت" وفي ف، أ: "فلما أن دخلت".
(4) صحيح البخاري برقم (5256 ، 5257).
(5) في ت: "ثنتي".
(6) في ت: "والنش النصف".
(7) في ت: "رضي الله عنهن أجمعين".
(6/441)
وقوله: { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ } أي:
وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم (1) ، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما
وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم،
عليه السلام، وكانتا من السراري، رضي الله عنهما.
وقوله: { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ
خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } : هذا عدل وَسط بين الإفراط والتفريط؛
فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد
فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة
الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة،
وتحريم (2) ما فَرّطت (3) فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع (4)
فظيع.
وإنما قال: { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ
وَبَنَاتِ خَالاتِكَ } فَوَحَّدَ لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإناث لنقصهن كقوله: {
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ } [النحل:48]، { يُخْرِجُهُمْ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [البقرة: 257]، { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ
وَالنُّورَ } [الأنعام: 1]، وله نظائر كثيرة.
وقوله: { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } قال ابن أبي حاتم، رحمه الله:
حدثنا محمد بن عمار بن (5) الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله (6) بن موسى، حدثنا
إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح (7) ، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله صلى
الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذري، ثم أنزل الله: { إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ } إلى قوله: { اللاتِي هَاجَرْنَ
مَعَكَ } قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء. ورواه
ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن عبيد الله بن موسى، به (8) .
ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه.
ورواه الترمذي في جامعه (9) . وهكذا قال أبو رَزين وقتادة: إن المراد: من هاجر
معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } أي: أسلمن.
وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: "واللاتي هَاجَرْنَ مَعَك".
وقوله: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ
أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } أي: ويحل لك -يأيها النبي -المرأة
المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى
فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح، عليه السلام، أنه قال لقومه: { وَلا
يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ
يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } [هود: 34]، وكقول موسى: { يَا قَوْمِ إِنْ
كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ
مُسْلِمِينَ } [يونس: 84].
__________
(1) في أ: "الغنائم".
(2) في أ: "وحرم".
(3) في ت: "ما حرموا".
(4) في ف، أ: "شنيع".
(5) في أ: "و".
(6) في أ: "عبد الله".
(7) في ت: "روى ابن أبي حاتم بإسناده".
(8) تفسير الطبري (22/15).
(9) سنن الترمذي برقم (3214) وقال: "هذا حديث حسن صحيح لا أعرفه إلا من هذا
الوجه من حديث السدي".
(6/442)
وقال هاهنا: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ
إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } وقد قال الإمام أحمد (1) :
حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛ أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وَهَبت نفسي لك.
فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله، زَوّجنيها إن لم يكن لك بها
حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من شيء تُصدقها إياه"؟
فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها
إزارك جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئا". فقال: لا أجد شيئا. فقال: "التمس ولو
خاتما من حديد" فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل
معك من القرآن شيء؟" قال: نعم؛ سورة كذا، وسورة كذا -لسور يسميها -فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "زوجتكها بما معك من القرآن".
أخرجاه من حديث مالك (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان (3) ، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتا يقول (4) : كنت مع
أنس جالسا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت: يا نبي الله، هل لك فيّ حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها. فقال:
"هي خير منك، رغبت في النبي، فعرضت عليه نفسها".
انفرد بإخراجه البخاري، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [العطار] (5) ، عن ثابت
البُنَاني، عن أنس، به (6) .
وقال (7) أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا سِنان بن ربيعة، عن الحضرمي،
عن أنس بن مالك: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله،
ابنة لي كذا وكذا. فذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها. فقال: "قد قبلتها".فلم
تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تَشْتَك شيئًا قط، فقال: "لا حاجة لي في
ابنتك". لم يخرجوه (8) .
وقال (9) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مُزَاحم، حدثنا ابن أبي
الوضاح -يعني: محمد بن مسلم -عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي
وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم (10) .
وقال ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزِّنَاد، عن هشام بن عروة، عن
أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سُلَيم، كانت من اللاتي وَهَبْن
أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم (11) .
وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت
حكيم
__________
(1) في ت: "وقد روى البخاري ومسلم".
(2) المسند (5/336) وصحيح البخاري برقم (5135) وصحيح مسلم برقم (1425) ولكنه
عند مسلم من طريق يعقوب وعبد العزيز بن أبي حازم وسفيان بن عيينة والدراوردي
وزائدة كلهم عن أبي حازم بنحوه.
(3) في أ: "عثمان".
(4) في ت: "وروى البخاري أن ثابتا قال".
(5) زيادة من أ.
(6) المسند (3/268) وصحيح البخاري برقم (5120).
(7) في ت: "وروى".
(8) المسند (3/155).
(9) في ت: "وروى".
(10) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (7/55) من طريق منصور بن أبي مزاحم، به.
(11) رواه الطبري في تفسيره (22/23).
(6/443)
كانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة (1) .
فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسِي، حدثنا وَكِيع، حدثنا
موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وعمر بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة، ست من قريش، خديجة، وعائشة،
وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من بني عامر بن صَعْصَعَة، وامرأتان
من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله
عليه وسلم، وزينب أم المساكين -امرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القرطاء -وهي
التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش
الأسدية، والسبيتان صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن
المصطلق الخزاعية (2) .
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن ابن عباس: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً
إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } قال: هي ميمونة بنت الحارث.
فيه انقطاع: هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب
بنت خُزَيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فالله
أعلم.
والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي صلى الله عليه وسلم كثير، كما
قال (3) البخاري، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال: هشام بن عروة
حدثنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن من النبي صلى
الله عليه وسلم وأقول: أتهب امرأة (4) نفسها؟ فلما أنزل الله: { تُرْجِي مَنْ
تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ
عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ } قلت: ما أرى ربك إلا يُسَارع في هواك (5) .
وقد قال (6) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي،
حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن عَنْبَسَة بن الأزهر، عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن
عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له.
ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن يونس بن بُكَيْر (7) . أي: إنه لم يقبل
واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحا له ومخصوصا به؛ لأنه مردود إلى
مشيئته، كما قال الله تعالى: { إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا }
أي: إن اختار ذلك.
__________
(1) رواه الطبري في تفسيره (22/23).
(2) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (5/270) من طريق وكيع بلفظ: "تزوج رسول الله
صلى الله عليه وسلم امرأة من بني الجون فطلقها وهي التي استعاذت منه".
(3) في ت: "كما روى".
(4) في ت، أ: "المرأة".
(5) صحيح البخاري برقم (4788).
(6) في ت: "وروى".
(7) تفسير الطبري (22/17).
(6/444)
وقوله: { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } قال عكرمة: أي: لا تحل
الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا. وكذا
قال مجاهد والشعبي وغيرهما.
أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل، فإنه متى دخل بها وجب لها عليه بها
مهر مثلها، كما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَع (1) بنت واشق
لما فوضت، فحكم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق مثلها لما توفي عنها
زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير (2) المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة
لغير النبي صلى الله عليه وسلم فأما هو، عليه السلام، فإنه لا يجب عليه للمفوضة
شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب
بنت جحش، رضي الله عنها. ولهذا قال قتادة في قوله: { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ
الْمُؤْمِنِينَ } ، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا
للنبي صلى الله عليه وسلم.
[وقوله تعالى: { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ] (3) قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة
وابن جرير في قوله: { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي
أَزْوَاجِهِمْ } أي: من حَصْرِهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا (4) من الإماء،
واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب
عليك شيئا منه؛ { لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا } .
__________
(1) في أ: "تزويج".
(2) في ت: "تقدير".
(3) زيادة من ت، أ.
(4) في ت: "وما يشاء".
(6/445)