فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
{
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ
أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) }
هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء،
القاهر لكل شيء، المقدر لكل شيء، فقال: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا } أي:
نظراء وأمثالا تعبدونها (1) معه { ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي: الخالق
للأشياء هو رب العالمين كلهم.
وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: { خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الأعراف: 54]، ففصل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختص
بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس، والأصل أن يُبْدَأَ بالأساس،
ثم بعده بالسقف، كما قال: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ
جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ }
الآية [البقرة: 29]، .
فأما قوله: { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ
سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأرْضَ
بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ
أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } [ النازعات : 27-33 ] ففي هذه
الآية أن دَحْى الأرض كان بعد خلق السماء (2) ، فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: {
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا } ، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق
الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عند تفسير
هذه الآية من صحيحه، فإنه قال:
وقال المنهال، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن
أشياء تختلف عليّ قال: { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا
يَتَسَاءَلُونَ } [المؤمنون: 101]، { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
يَتَسَاءَلُونَ } [الصافات: 27]، { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا }
[النساء: 42]، { وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23]،
فقد كتموا في هذه الآية؟ وقال: { أَمِ السَّمَاءُ (3) بَنَاهَا } إلى قوله: {
دَحَاهَا } [النازعات: 27 -30]، فذكر خلق السماء قبل [خلق] (4) الأرض ثم قال: {
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } إلى
قوله: { طَائِعِينَ } فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟ وقال: { وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء: 96]، { عَزِيزًا حَكِيمًا } [النساء:
56]، { سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء: 58]، فكأنه كان ثم مضى.
قال -يعني ابن عباس-: { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا
يَتَسَاءَلُونَ } في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور، { فَصَعِقَ مَنْ فِي
السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } [الزمر: 68]، فلا
أنساب بينهم عند
__________
(1) في س: "يعبدونها".
(2) في أ: "السموات".
(3) في س: "والسماء".
(4) زيادة من س.
(7/165)
ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
يَتَسَاءَلُونَ }
وأما قوله: { مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا }
، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون: تعالوا نقول: "لم نكن
مشركين"، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف (1) أن الله لا يكتم
حديثا، وعنده { يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } الآية [الحجر: 2] .
وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن في يومين
آخرين، ثم دَحَى الأرض، ودَحْيُها: أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال
والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: { دَحَاهَا } وقوله {
خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } فَخُلِقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة
أيام، وخلقت السماوات في يومين.
{ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء: 96]، سمى نفسه بذلك، وذلك
قوله، أي: لم يزل كذلك؛ فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا
يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من عند الله عز وجل.
قال البخاري: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي
أُنَيْسَة (2) ، عن المنهال -هو ابن عمرو-بالحديث (3) .
فقوله: { خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين.
{ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا } أي: جعلها
مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا } ، وهو:
ما يحتاج (4) أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس، يعني: يوم
الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة؛ ولهذا قال تعالى: { فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } أي: لمن أراد السؤال عن ذلك
ليعلمه.
وقال مجاهد وعكرمة في قوله: { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا } جعل في كل أرض
ما لا يصلح في غيرها، ومنه: العصب باليمن، والسابري بسابور والطيالسة بالرّي.
وقال ابن عباس، وقتادة، والسدي في قوله تعالى: { سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } أي:
لمن أراد السؤال عن ذلك.
وقال ابن زيد: معناه { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } أي: على وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن
الله قدر له ما هو محتاج إليه.
وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ } [إبراهيم: 34]، والله أعلم.
وقوله: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } ، وهو: بخار الماء
المتصاعد منه حين خلقت الأرض،
__________
(1) في أ: "عرفوا".
(2) في أ: "شيبة".
(3) صحيح البخاري (8/556) "فتح".
(4) في س: "ما تحتاج".
(7/166)
{
فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } أي: استجيبا لأمري،
وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين.
قال الثوري، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله
[تعالى] (1) { فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } قال:
قال الله تعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شققي أنهارك،
وأخرجي ثمارك. فقالتا: { أَتَيْنَا طَائِعِينَ }
واختاره ابن جرير -رحمه الله.
{ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } أي: بل نستجيب لك مطيعين بما فينا، مما تريد
خلقه من الملائكة والإنس والجن جميعا مطيعين (2) لك. حكاه ابن جرير عن بعض أهل
العربية قال: وقيل: تنزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما.
وقيل (3) إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يسامته منها،
والله أعلم.
وقال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه. رواه ابن أبي
حاتم.
{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } أي: ففرغ من تسويتهن سبع
سموات في يومين، أي: آخرين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة.
{ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } أي: ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج
إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، { وَزَيَّنَّا
السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } وهن الكواكب المنيرة المشرقة على أهل
الأرض، { وَحِفْظًا } أي: حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى.
{ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } أي: العزيز الذي قد عز كل شيء
فغلبه وقهره، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم.
قال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد (4)
البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال هناد: قرأت سائر الحديث-أن اليهود أتت
النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: "خلق الله
الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع،
وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة: { قُلْ
أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } لمن سأل، قال: "وخلق يوم الخميس
السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت
منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال، حين يموت من مات، وفي الثانية
ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة،
وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة". ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا
محمد؟ قال: "ثم استوى على العرش". قالوا: قد أصبت لو أتممت! قالوا:
__________
(1) زيادة من س.
(2) في س: "مطيعون".
(3) في س، أ: "ويقال".
(4) في س: "سعد".
(7/167)
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)
ثم
استراح. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فنزل: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا
السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا
مِنْ لُغُوبٍ .فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } [ق : 38 ] (1) .
هذا الحديث فيه غرابة. فأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن
خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد،
وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء،
وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر
ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" فقد رواه مسلم، والنسائي في
كتابيهما، عن حديث ابن جريج، به (2) . وهو من غرائب الصحيح، وقد عَلَّله
البخاري في التاريخ فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (3) عن كعب
الأحبار، وهو الأصح.
{ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ
مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ
مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ
الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا
يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) }
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن
أعرضتم عما جئتكم به من عند الله فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم، كما حلت
بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين { صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ } أي: ومن شاكلهما (4) ممن فعل كفعلهما.
{ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ }
[الأحقاف: 21]، كقوله تعالى: { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ
بِالأحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ }
[الأحقاف : 21] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل
__________
(1) تفسير الطبري (24/31) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم 878 والحاكم في
المستدرك (2/543) من طريق هناد به ، وقال الحاكم صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي
فقال : أبو سعيد البقال قال ابن معين : لا يكتب حديثه ."
(2) صحيح مسلم برقم (2789) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11010).
(3) زيادة من ت.
(4) في أ: "شاكلهم".
(7/168)
يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله
بأعدائه من النقم، وما ألبس (1) أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا،
بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: { لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً } أي: لو
أرسل الله رسلا (2) لكانوا ملائكة من عنده، { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ
} أي: أيها البشر { كَافِرُونَ } أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا.
قال الله تعالى: { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرَوُا فِي الأرْضِ [بِغَيْرِ
الحَقٍّ] } (3) أي: بغوا وعتوا وعصوا، { وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
} أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! {
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
قُوَّةً } أي: أفما يتفكرون (4) فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق
الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: {
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } [الذاريات: 47]،
فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: {
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب.
وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت.
والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس
ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: { بِرِيحٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } [الحاقة:6 ]، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه
سمي النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصرا (5) لقوة صوت جريه.
وقوله: { فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ } أي: متتابعات، { سَبْعَ لَيَالٍ
وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } [ الحاقة : 7 ]، كقوله { فِي يَوْمِ نَحْسٍ
مُسْتَمِرٍّ } [القمر: 19]، أي: ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر
بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي
الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: { لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى } [أي] (6) أشد خزيا لهم،
{ وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ } أي: في الأخرى (7) ، كما لم ينصروا في الدنيا، وما
كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال.
وقوله: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ } قال ابن عباس، وأبو العالية،
وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بينا لهم (8) .
وقال الثوري: دعوناهم.
{ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } أي: بصرناهم، وبينا لهم، ووضحنا
لهم الحق على لسان نبيهم صالح صلى الله عليه وسلم (9) ، فخالفوه وكذبوه، وعقروا
ناقة الله التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، { فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ
الْعَذَابِ الْهُونِ } أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا وعذابا
ونكالا { بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } أي: من التكذيب والجحود.
__________
(1) في س: "ألبس الله".
(2) في ت: "رسولا".
(3) زيادة من ت، أ.
(4) في ت، س: "أفما يفكرون"، وفي أ: "فيما يتفكرون".
(5) في ت، س: "صرصر".
(6) زيادة من أ.
(7) في ت: "الآخرة".
(8) في ت: "وسعيد بن جبير وغيرهم".
(9) في ت، س: "عليه السلام".
(7/169)
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)
{
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [وَكَانُوا يَتَّقُونَ] (1) } أي: من بين
أظهرهم، لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله مع نبيهم صالح
[عليه السلام] (2) بإيمانهم، وتقواهم لله، عز وجل.
{ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ
وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) }
__________
(1) زيادة من ت، أ.
(2) زيادة من ت، أ.
(7/170)