كتاب : الإستعداد للموت وسؤال القبر
المؤلف : المليباري
ويروى أنه كان ملك كثير المال قد جمع
مالاً عظيماً واحتشد من كل نوع خلقه الله تعالى من متاع الدنيا ليرفه نفسه
ويتفرغ لأكل ما جمعه، فجمع نعماً طائلة وبنى قصراً عالياً مرتفعاً سامياً
يصلح للملوك والأمراء والأكابر والعظماء وركَّب عليه بابين محكمين وأقام
عليه الغلمان والأجلاد والحرسة والأجناد والبوابين كما أراد وأمر بعض
الأنام أن يصطنع له من أطيب الطعام وجمع أهله وحشمه وأصحابه وخدمه ليأكلوا
عنده وينالوا رفده، وجلس على سرير مملكته واتكأ على وسادته وقال يا نفس قد
جمعت أنعم الدنيا بأسرها فالآن أفرغي لذلك وكلي هذه النعم مهنأة بالعمر
الطويل، والحظ الجزيل، فلم يفرغ مما حدث نفسه حتى أتى رجل من ظاهر القصر
عليه ثياب خلقة ومخلاته في عنقه معلقة على هيئة سائل يسأل الطعام فجاء
وطرق حلقة الباب طرقة عظيمة هائلة بحيث تزلزل القصر وتزعزع السرير وخاف
الغلمان ووثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق وقالوا يا ضيف ما هذا الحرص وسوء
الأدب اصب إلى أن نأكل ونعطيك مما يفضل، فقال لهم قولوا لصاحبكم أن يخرج
إليّ فلي إليه شغل مهم وأمر ملم فقالوا له تنح أيها الضيف من أنت حتى نأمر
صاحبنا بالخروج إليك، فقال: أنتم عرِّفوه ما ذكرت لكم فلما عرَّفوه قال
هلا نهرتموه وجرتم عليه وزجرتموه ثم طرق حلقة الباب أعظم من طرقته الأولى
فنهضوا من أماكنهم بالعصي والسلاح وقصدوه ليحاربوه فصاح بهم صيحة وقال:
ألزموا أماكنكم فأنا ملك الموت وطاشت حلومهم وارتعدت فرائضهم وبطلت عن
الحركة جوارحهم فقال الملك قولوا له ليأخذ بدلاً مني وعوضاً عني فقال ما
آخذ إلا روحك ولا أتيت إلا لأجلك لأفرق بينك وبين النعم التي جمعتها
والأموال التي حويتها وخزنتها فتنفس الصعداء وقال لعن الله هذا المال الذي
غرني وأبعدني ومنعني من عبادة ربي وكنت أظن أنه ينفعني فاليوم صار حسرتي
وبلائي وخرجت صفر اليدين منه وبقي لأعدائي فأنطق الله تعالى المال حتى قال
لأي سبب تلعنني العن نفسك فإن الله تعالى خلقني وإياك من تراب وجعلني في
يدك لتتزود بي إلى آخرتك وتتصدق بي على الفقراء وتزكي بي على الضعفاء
ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر لأكون عوناً لك في اليوم الآخر
جمعتني وخزنتني وفي هواك أنفقتني ولم تشكر حقي بل كفرتني فالآن تركتني
لأعدائك وأنت بحسرتك وبلائك فأي ذنب لي فتسبني وتلعنني، ثم إن ملك الموت
قبض روحه قبل أكل الطعام فسقط على سريره صريع الحمام:
تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس ... جهازاً من التقوى لأطول ما حبس
فإنك لا تدري إذا كنت مصبحاً ... بأحسن ما ترجو لعلك لا تمسي
سأتعب نفسي كي أصادف راحة ... فإن هوان النفس أكرم للنفس
وأزهد في الدنيا فإن مقيمها ... كظا عنها ما أشبه اليوم بالأمس
وقد أوصى
الله تعالى عيسى بن مريم عليهما السلام: يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت
فعظ الناس وإلا فاستحي مني، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: " تركت فيكم
ناطقاً وصامتاً " فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل
متعظ ومن لم يتعظ بهما كيف يعظ غيره، ولقد وعظت نفسي بهما وقبلت وصدقت
قولاً وعملاً وأبت وتمردت تحقيقاً وفعلاً فقلت لنفسي أما أنت مصدقة بان
القرآن هو الواعظ الناطق وأنه كلام اللّه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه فقالت: بلى فقلت لها قد قال اللّه تعالى: (مَن كَانَ
يُرِيدُ الحَيَاةَ للدُّنيَا وَزِنَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَالاَ يُبْخَسُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
لَبْسَ لَهُمْ فيِ الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ
فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.).
فقد وعد اللّه بالنار
على إرادة الدنيا وكل ما لا يصحب بعد الموت فهو من الدنيا فهل تنزهت عن حب
الدنيا وإرادتها ولو أن طبيباً نصرانياً وعدك بالموت أو بالمرض على تناول
ألذ الشهوات لتحاميتها واتقيت وأنفت منها، أفكان النصراني عندك أصدق من
اللّه تعالى فإن كان كذلك فما أكفرك أم كان المرض أشد عليك من النار فإن
كان كذلك فما أجهلك فصدقت فما انتفعت بل أصرت على الميل إلى العاجلة
واستمرت ثم أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ فقلت لها قد اخبر الناطق عن
الصامت.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ المَوْتَ الذَّي تَفِرُّونَ
مِنْهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ
وَالشَّهَادةِ فَيُنَبِئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلُونَ).
وقلت لها هبي
أنك ملت إلى العاجلة أفلست مصدقة بأن الموت لا محالة يأتيك قاطعاً عليك ما
أنت متمسكة به وسالباً منك كل ما أنت راغبة فيه وأن كل ما هو آت قريب وأن
البعيد ما ليس بآت.
وقد قال الله تعالى:( أَفَرَأَيْتَ إِن
مَّتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءهُم مَّا كانُواْ يُوعَدُونَ. ما
أَغْنَى عَنْهُم مَّا كانُوْا يُمَتَّعُوَن).
فكأنك مخرجة بهذا الوعظ
عن جميع ما أنت فيه قالت صدقت فكان منها قولاً لا يحصل وراءه ولم تجتهد قط
في تزود الآخرة كاجتهادها في تدبير العاجلة ولم تجتهد في رضى الله تعالى
كاجتهادها في طلب رضاها وطلب رضى الخلق ولم تستحي من الله تعالى كما تستحي
من واحد من الخلق ولم تشمر لاستعداد الآخرة كتشميرها في الصيف لأجل الشتاء
وفي الشتاء لأجل الصيف فإنها لا تطمئن في أوائل الشتاء ما لم تتفرغ عن
جميع ما تحتاج إليه فيه مع إن الموت ربما يخطفها والشتاء لا يدركها
والآخرة عندها يقين فلا يتصور أن تختطف منها، فقلت لها ألست تستعدين للصيف
بمقدار طوله وتصنعين آلة الصيف بقدر صبرك على الحر قالت نعم قلت فاعصي
الله بقدر صبرك على النار واستعدي للآخرة بقدر بقائك فيها فقالت هذا هو
الواجب الذي لا يرخص في تركه إلا الحمق ثم استمرت على سجيتها ووجدتني كما
قال بعض الحكماء في الناس من ينزجر نصفه ثم لا ينزجر نصفه الآخر وما أراني
إلا منهم ولما رأيتها متمادية في الطغيان غير منتفعة بمواعظ الموت والقرآن
رأيت أهم الأمور التفتيش عن سبب تماديها مع اعترافها وتصديقها فإن ذلك من
العجائب العظيمة فطال تفتيشي عنه حتى وقفت على سببه وها أنا موص نفسي
وإياك بالحذر منه هو الداء العظيم وهو السبب الداعي إلى الغرور والإهمال
وهو اعتقاد تراخي الموت واستبعاد هجومه على القرب فإنه لو أخبر صادق في
بياض نهاره أنه يموت في ليله أو يموت إلى أسبوع أو شهر لاستقام على الصراط
المستقيم وترك جميع ما هو فيه مما يظن أنه يتعاطاه لله تعالى وهو فيه
مغرور فضلاً عما ليس لله تعالى فانكشف لي تحقيقاً أن من أصبح وهو يؤمل أنه
يمسي أو أمسى وهو يؤمل أنه يصبح لم يخل من الفتور والتسويف ولم يقدر إلا
على سير ضعيف.
فأوصيك ونفسي بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه
وسلم حيث قال: " صل صلاة مودع " ولقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ولا
ينتفع بوعظ إلا به ومن غلب على ظنه في كل صلاة أنها آخر صلاته حضر معه
خوفه من الله تعالى وخشيته منه ومن لم يخطر بمخاطره قصر عمره وقرب أجله
وغفل قلبه عن صلاته وسئمت نفسه فلا يزال في غفلة دائمة وفتور مستمر وتسويف
متتابع إلى أن يدركه الموت ويهلكه حسرة الفوت وأنا مقترح عليه أن يسأل
الله تعالى أن يرزقني هذه الرتبة فإني طالب لها وقاصر عنها وأوصيه أن لا
يرضى من نفسه إلا بها وأن يحذر مواقع الغرور فيها ويحترز من خداع النفس
فإن خداعها لا يقف عليه إلا الأكياس وقليل ما هم والوصايا وإن كانت كثيرة
والمذكورات وإن كانت كبيرة فوصية الله أكملها وأنفعها وأجمعها وقد قال
الله عزِ وجلّ في محكم القرآن:( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ
الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ وإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقوُا الله).
فما أسعد من
قبل وصية الله تعالى وعمل بها وادخرها لنفسه ليجدها يوم مردها ومنقلبها
وقال يزيد الرقاشي كان في بني إسرائيل جبار من الجبابرة وكان في بعض
الأيام جالساً على سرير مملكته فرأى رجلا قد دخل من باب الدار ذا صورة
منكرة وهيئة هائلة فاشتد خوفه من هجومه وهيئته وقدومه فوثب في وجهه وقال
له: " من أنت أيها الرجل ومن أذن لك في الدخول إلى داري فقال أذن لي صاحب
الدار وأنا الذي لا يحجبني حاجب ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى إذن
ولا أرهب سياسة السلطان ولا يفزعني جبار ولا أحد من قبضتي فرار فلما سمع
هذا الكلام خر على وجهه ووقعت الرعدة في جسده وقال: أنت ملك الموت قال:
نعم قال أقسم عليك باللّه إلا أمهلتني يوماً واحداً لأتوب من ذنبي وأطلب
العذر من ربي وأرد الأموال التي أودعتها خزائني إلى أربابها ولا أتحمل
مشقة عذابها، فقال كيف أمهلك وأيام عمرك وأيام عمرك محسوبة وأوقاتها مثبتة
مكتوبة فقال أمهلني ساعة، فقال إن الساعات في الحساب وقد عبرت وأنت غافل
وانقضت وأنت ذاهل وقد استوفيت أنفاسك ولم يبق لك نفس واحد، فقال من يكون
عندي إذا نقلتني إلى لحدي فقال لا يكون عندك سوى عملك فقال ما لي عمل؟
فقال لا جرم يكون مقيلك في النار ومصيرك إلى غضب الجبار " وقبض روحه، فخر
عن سريره وعلا الضجيج من أهل مملكته وارتفع ولو عملوا ما يصير إليه من سخط
ربه لكان بكاؤهم عليه أكثر وعويلهم أوفر.
وعن أبي بن كعب
رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل
قام فقال: " يا أيها الناس اذكروا اللّه جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء
الموت بما فيه " ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم : كان يهريق الماء فيتيمم بالتراب فأقول يا رسول اللّه إن الماء
منك قريب فيقول " ما يدريني لعلي لا أبلغه " ، وعن أنس قال النبي صلى الله
عليه وسلم: " يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنتان الحرص على المال والحرص على
العمر " وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : " مثل ابن آدم إلى جنبه تسع
وتسعون منية إن أخطأته المنايا وقع في الهرم " . وروي أن الحسن قيل له أن
فلاناً مات بغتة فقال ما يعجبكم من ذلك لو لم يمت بغتة مرض بغتة ثم مات.
قال الغزالي رحمة اللّه عليه " عليك أن تجتنب طول أملك فإنه إذا طال هاج
أربعة أشياء: الأول ترك الطاعة والكسل فيها يقول سوف أفعل والأيام بين
يدي. والثاني ترك التوبة وتسويفها يقول سوف أتوب وفي الأيام سعة وأنا شاب
وسني قليل والتوبة بين يدي وأنا قادر عليها متى رمتها وربما اغتاله الحمام
على الإصرار واختطف الأجل صلاح العمل. والثالث الحرص على جمع الأموال
والاشتغال بالدنيا عن الآخرة يقول أخاف الفقر في الكبر وربما أضعف عن
الاكتساب ولا بد لي من شيء فاضل أدخره لمرض أو هرم أو فقر هذا ونحوه يحرك
إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها والاهتمام للرزق تقول إيش آكل وإيش
ألبس هذا الشتاء وهذا الصيف ومالي شيء، ولعل العمر يطول فأحتاج والحاجة مع
الشيب شديدة ولا بد لي من قوت وغنية عن الناس وهذه وأمثالها تحرك إلى طلب
الدنيا والرغبة فيها والجمع لها والمنع لما عندك منها. والرابع القسوة في
القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الموت والقبر "
.
وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه " أخوف ما أخاف عليكم اثنان:طول
الأمل واتباع الهوى ألا إن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصدك عن
الحق فإذن يصير فكرك في حديث الدنيا وأسباب العيش في صحبة الخلق نحوها
فيقسو القلب فبسبب طول الأمل تقل الطاعة وتتأخر التوبة وتكثر المعصية
ويشتد الحرص ويقسو القلب وتعظم الغفلة فتذهب والعياذ باللّه إن لم يرحم
اللّه فأي حال أسوأ من هذه وأي آفة أعظم من هذه، وإنما رقة القلب وصفوته
بذكر الموت ومفاجأته والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة " .
ويروى
إن ذا القرنين اجتاز بقوم لا يملكون شيئاً من أسباب الدنيا وقد حفروا قبور
موتاهم على باب دورهم وهم في كل وقت يتعهدون تلك القبور وينظفونها
ويزورونها ويتعبدون اللّه تعالى بينها وما لهم طعام إلا الحشيش ونبات
الأرض، فبعث إليهم ذو القرنين رجلاً يستدعي ملكهم فلم يجبه، وقال ما لي
إليه حاجة فجاء ذو القرنين إليه وقال كيف حالكم فأني لا أرى شيئاً من ذهب
ولا فضة ولا أرى عندكم شيئاً من نعم الدنيا فقال نعم لأن الدنيا لا يشبع
منها أحد قط فقال لم حفرتم القبور على أبوابكم فقال لتكون نصب أعيننا
فالنظر إليها يتجدد ذكر الموت ويبرد حب الدنيا في قلوبنا فلا نشتغل بها عن
عبادة ربنا فقال كيف تأكلون الحشيش فقال لأنا نكره أن نجعل بطوننا مقابر
للحيوان ولأن لذة الطعام لا تتجاوز الحلق، ثم مد يده فأخرج منها قحف رأس
آدمي فوضعه بين يديه وقال يا ذا القرنين تعلم من كان هذا، فقال: لا، قال:
كان صاحب هذا القحف ملكاً من ملوك الدنيا وكان يظلم رعيته ويجور على
الضعفاء ويستفرغ زمانه في جمع الدنيا فقبض اللّه روحه وجعل النار مقره
وهذا رأسه ثم مد يده ووضع قحفاً آخر بين يديه وقال له أتعرف هذا فقال لا
فقال كان هذا ملكاً عادلاً مشفقاً على رعيته محباً لأهل مملكته فقبض اللّه
روحه وأسكنه جنته ورفع درجته، ثم وضع يده على رأس ذي القرنين وقال ترى أي
هذين الرأسين يكون هذا الرأس فبكى ذو القرنين بكاء شديداً وضمه إلى صدره
وقال له إن رغبت في صحبتي فإنني أسلِّم إليك وزارتي وأقاسمك مملكتي فقال
هيهات ما ليفي ذلك رغبة فقال لم قال لأن جميع الخلق كلهم أعداؤك بسبب
المال والمملكة وجميعهم أصدقائي بسبب القناعة والصعلكة وللّه در القائل:
دليلك أن الفقر خير من الغنى ... وإن قليل المال خير من المثرى
لقاؤك عبداً قد عصى اللّه بالغنى ... ولم تلق عبداً قد عصى اللّه
بالفقر
اعلم
أن مما يعينك على ذكر الموت أن تذكر من مضى من أقاربك وإخوتك وأصحابك
وأترابك الذين مضوا قبلك كانوا يحرصون حرصك، ويسعون سعيك ويعملون في
الدنيا عملك فقصفت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت
فيهم أحبابهم فأفردوا في قبورهم موحشة وصاروا جيفاً مدهشة والأحداق سالت
والألوان حالت والفصاحة زالت والرؤوس تغيرت ومالت مع فتان يقعدهم ويسألهم
عما كانوا يعتقدون، ثم يكشف لهم من الجنة والنار مقعدهم إلى يوم يبعثون،
فيرون أرضاً مبدلة وسماء مشققة وشمساً مكورة ونجوماً منكدرة وملائكة منزلة
وأهوالاً مذعرة وصحفاً منتشرة وناراً زفرة وجنة مزخرفة فعد نفسك منهم ولا
تغفل عن زاد معادك ولا تهمل نفسك سدى كالبهائم ترتع ولا تدري (ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ).
(إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ.فِي
الْحَمِيِم ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)
يا باني القصر الكبير ... بين الدساكر والقصور
ومجرد الجيشَ الذي ... ملأ البسيطة والصدور
ومدوخ الأرض التي ... أعيت على مر الدهور
أما فرغت فلا تدع ... بنيان قبرك في القبور
وانظر إليه تراه كي ... ف إليك معترضاً يشير
واذكر رقادك وسطه ... تحت الجنادل والصخور
قد بددت تلك الجيو ... ش وغيرت تلك الأمور
واعتضت من بين الحري ... ر خشونة الحجرالكبير
وتركت مرتهناً به ... لا مال ويلك ولا عشير
حيران تعلن بالأسى ... لهفان تدعو بالثبور
ودعيت باسمك بعدما ... قد كنت تدعى بالأمير
وذكر
أبو بكر بن أبي شيبة عن جابر رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنهم كانت فيهم أعاجيب " ثم أنشأ
يحدث قال " خرجت طائفة فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين
ودعونا اللّه يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا فبينما
هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر تلاشى بين عينيه أثر السجود فقال: يا
هؤلاء ما أردتم إلي فواللّه لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت
حتى الآن فادعوا اللّه أن يعيدني كما كنتُ وكأن عمرو بن العاص رضي اللّه
عنه يقول لوددت لو أني رأيت رجلاً لبيباً حازماً قد نزل به الموت فيخبرني
عن الموت فلما أنزل به الموت قيل له يا أبا عبد اللّه كنت تقول أيام حياتك
لوددت أني رأيت رجلاً لبيباً حازماً قد نزل به الموت يخبرني عن الموت وأنت
ذلك الرجل اللبيب الحازم وقد نزل بك الموت فأخبرنا عنه. فقال: أجد كأن
السماوات انطبقن على الأرض وأنا بينهما وكأن نفسي تخرج على ثقب إبرة " .
ويروى
أن إبراهيم الخليل قال لملك الموت هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض
فيها روح الفاجر؟ قال أتطيق ذلك؟ قال بلى فأعرض ثم التفت فإذا هو رجل أسود
الثياب قاتم الشعر منتن الريح يخرج من فيه ومناخره لهب النار والدخان فغشى
على إبراهيم ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال يا ملك
الموت لو لم يلق الفاجر إلا صورة وجهك لكان ذلك حسبه.
وروى عن أسلم
مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما قال: إذا بقي على المؤمن من ذنوبه شيء
لم يبلغه عمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدته درجته في الجنة
وإن الكافر إذا كان عمله معروفاً في الدنيا هون عليه الموت ليستكمل ثواب
معروفه في الدنيا ثم يصير إلى النار.
وروي البخاري أن عمر بن الخطاب
رضي اللّه عنه قال: " لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من قبل أن
أراه " . وقيل لم يلق ابن آدم أشد من الموت وما بعده أشد منه.
وفي
الوسيط للواحدي بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم : " الأمراض والأوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت فإذا حان الأجل أتى
ملك الموت بنفسه وقال أيها العبد كم خبر بعد وكم رسول بعد رسول وكم بريد
بعد بريد أنا الخبر ليس بعدي خبر وأنا الرسول ليس بعدي رسول أجب ربك
طائعاً أو مكروهاً فإذا قبض روحه وتصارخوا عليه قال على من تصرخون وعلى من
تبكون؟ فواللّه ما ظلمت له أجلاً ولا أكلت له رزقاً بل دعاه ربه فليبك
الباكي على نفسه فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم أحداً " . وعن
أنس بن مالك قال: " لقي جبريل ملك الموت بنهر فارس فقال يا ملك الموت كيف
تستطيع قبض الأنفس عند الوباء هاهنا عشرة آلاف وهاهنا كذا وكذا؟ فقال ملك
الموت تزوى لي الأرض حتى كأنهم بين فخذي فألتقطهم بيدي " .
اعلم لو أنا
انتظرنا ضربة شرطي لتكدر عيشنا وفي نفس يمكن مجيء الموت بشدائده وهو أمر
من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير ويود لو قدر على صياح وأنين ويجذب روحه من
كل عضد وعرق فتبرد قدماه، ثم فخذاه وهكذا حتى يبلغ الحلقوم فعنده ينقطع
نظره إلى دنياه ويغلق عنه باب توبته فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم: " إن اللّه تعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر " .
يا فرقة الأحباب لا بد لي منك ... ويا دار دنيا إنني راحل عنك
ويا قصر الأيام مالي وللمنى ... ويا سكرات الموت مالي وللضحك
فما لي لا أبكي لنفسي بعبرة ... إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي
ألا أي حي ليس بالموت موقناً ... وأي يقين أشبه اليوم بالشك
وفي كتاب الترمذي كان عثمان بن عفان رضي اللّه عنه
إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار ولا تبكي
وتبكي من هذا؟ فقال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: القبر أول
منزل من منازل الآخرة فأن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه
فما بعده أشد منه " . وسمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " ما
رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه " . وفي كتاب أبي داود والنسائي عن
البراء بن عازب عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: يأتيه ملكان
فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول ربي اللّه فيقولان له ما دينك فيقول
ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم فيقولان وما يدريك فيقول قرأت كتاب اللّه فآمنت به
وصدقت فذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ).
قال فينادي
مناد من السماء أن صدق عندي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له
باباً إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له فيها مد بصره.
وأما
الكافر فذكر موته قال ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان
من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري
فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من
السماء أن كذب فافرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى
النار قال فيأتيه من حرها وسمومها قال ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه
أضلاعه ثم يقبض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبلاً لصار
تراباً فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير
تراباً ثم يعاد فيه الروح.
وفي كتاب الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال
دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لصلاة فرأى ناساً كأنهم يكثرون قال:
أما إنكم لو أكثرتم ذكر هازم اللذات لشغلكم عما أرى فأكثروا ذكر هازم
اللذات الموت فإنه لم يأتِ على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول أنا بيت
الغربة وأنا بيت الوحدة وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود فإذا دفن العبد
المؤمن قال له القبر مرحباً وأهلاً أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلي
فإذا وليتك وصرت إلي فسترى صنعي بك قال فيتسع له مد بصره ويفتح له باب من
الجنة.
وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر لا مرحباً ولا
أهلاً أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذا وليتك اليوم صرت إلي
فسترى صنعي بك قال فليتم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه. قال وقال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض قال ويقبض
له سبعون تنيناً لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت
الدنيا فينهشنه ويخدشنه حتى يفضي به إلى الحساب. قال وقال رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار " ويروى
أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه فرآه قد تغير لونه من
كثرة العبادة فجعل يتعجب من تغير لونه واستحالة صفته فقال له عمر: يا ابن
أخي وما يعجبك مني فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث وقد خرجت الحدقتان
فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد والدود من
المناخر والفم وانتفخ البطن فعلا على الصدر وخرج الدبر من الصلب لرأيت إذ
ذاك شيئاً أعجب مما رأيته الآن.
وكان بكر العابد يقول لأمه يا أمه ليتك كنت بي عقيماً إن لابنك في القبر
حبساً طويلاً وإن له من بعد ذلك رحيلاً.
وقال
حاتم الأصم من مر بفناء القبور ولم يتفكر في نفسه ولم يدع لهم فقد خان
نفسه وخانهم. قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول دخلت على الإمام أبي
بكر بن فورك عائداً فلما رآني دمعت عيناه فقلت له إن اللّه يعافيك ويشفيك
فقال لي تراني أخاف من الموت إنما أخاف مما وراء الموت.
وسمعت بعض
الفقراء يقول إن سبب زهد داود بن نصر الطائي أنه سمع نائحة تنوح: بأي خديك
تبدي البلا وأي عينيك إذا سالا واعجبا لو وصف طبيب لك داءك ودواءك لاستمعت
إليه ولأطعته وهذا دواء دائك العظيم الدفين الذي يصلي صاحبه نار جهنم فلا
تسمع إليه حق الاستماع وربما إن طال المجلس نعست أو تكلمت مع أنه ورد ذم
المتكلم. ولو كنت في لهو أو أمر دنيا لم تنعس بل ارتحت له وما ذاك إلا
لخبث سريرتك وضعف إيمانك أين آباؤك وأين إخوانك وأحبائك سكنوا بطون الأرض
وصاروا أكلاً للهوام ولا يقدرون على دفع ما يلقون من العذاب:
هو الدهر فاصبروا ما على الدهر معتب ... ليس لنا من خطة الموت مهرب
ولا بد من كأس الحمام ضرورة ... ومن ذا الذي من كأسه ليس يشرب
وما يعمر الدنيا الدنية حازم ... إذا كان فيها عامر العمر يخرب
وإن علياً ذمها في كلامه ... وطلقها والجاهل الغر يخطب
ولما أتى بالكوز والناس حضر ... فقال لهم يا للرجال تعجبوا
ألا إن هذا الكوز فيه مواعظ ... لمتعظ من ظلمة القبر يرهب
فكم فيه من ثغر وعين كحيلة ... وخد أسيل كان يهوى ويطلب
وكم من عظيم القد صارت عظامه ... إناء ومنه الماء يا قوم يشرب
وينقل من أرض لأخرى هدية ... فواعجاً بعد البلا يتغرب
اللهم أصلحنا وأصلح فساد قلوبنا وأصلح فساد أعمالنا وأصلح فساد ولاة
أمورنا وأصلحنا بما أصلحت به عبادك الصالحين.
ويروى أن رجلاً جاء إلى القبور فصلى ركعتين
ثم اضطجع على شقه فنام فرأى صاحب القبر في المنام فقال هذا إنكم تعملون
ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل ولأن تكون ركعتان في صحيفتي أحب إليّ من
الدنيا وما فيها. وقال بعض الصالحين مات لي أخ في اللّه فرأيته في النوم
فقلت له يا فلان عشت الحمد للّه رب العالمين قال لي لأن أقدر أن أقولها
يعني الحمد للّه رب العالمين أحب إليّ من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر
حيث كانوا يدفنوني فإن فلاناً جاء فصلى ركعتين لأن أقدر أن أصليهما أحب
إليّ من الدنيا وما فيها. وذكر أبو سبرة أن منكراً ونكيراً أتيا رجلاً إلى
قبره وقالا إنا ضاربوك مائة ضربة فقال الميت إني كنت كذا وكذا وتشفع ببعض
أعماله الصالحة حتى حطا عنه عشراً ولم يزل يتشفع حتى حطا الجميع إلا ضربة
فضرباه ضربة فالتهب القبر عليه ناراً فقال لم ضربتماني فقالا مررت بمظلوم
فاستغاث بك فلم تغثه. وقال عبد اللّه بن عمر وجماعة من أهل بيته إنا كنا
ندعو اللّه تعالى ليرينا عمر في المنام فرأيته في المنام بعد اثنتي عشرةٌ
سنة كأنه قد اغتسل وهو متلفع بإزار فقلت يا أمير المؤمنين كيف وجدت ربك
وبأي حسناتك جازاك فقال يا عبد الله كم لي منذ فارقتكم فقلت اثنتي عشرة
سنة فقال منذ فارقتكم كنت في الحساب وخفت أن أهلك إلا أن اللّه غفور رحيم
جواد كريم فهذا حال عمر ولم يكن له في دنياه شيء من أسباب الولاية سوى درة.
وروي
أنه زنى أبو شحمة ولد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فجلده مائة جلدة فمات
فلما كان بعد أربعين يوماً قال حذيفة بن اليمان رأيت رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم في المنام وإذا الفتى معه وعليه حلتان خضراوان وقال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم أقرئ عمر مني السلام وقل له هكذا آمرك أن تقرأ القرآن
وتقيم الحدود وقال الغلام يا حذيفة أقرئ أبي مني السلام وقل له طهرك اللّه
كما طهرني والسلام.
وروى عن أبي بكر بن أبي الدنيا عن أصحابه أنه قال
لنباش بعد توبته ما سبب توبتك ورجوعك إلى اللّه قال نبشت إنساناً فوجدته
قد سمر بمسامير في جميع جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه وقال
الآخر ما سبب توبتك قال رأيت جمجمة إنسان قد صب فيها الرصاص.
ويروى أن
بعض النباشين نبش ذات ليلة قبراً فلما كشف عن الميت إذا بنار تحرق الميت
فأهوت إليه منها شرارة فهرب وتاب إلى اللّه تعالى وقيل رؤي الأوزاعي في
المنام فقال ما رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة العلماء ثم المحزونين. ورؤي
أبو عبد اللّه النداد في المنام فقيل له ما فعل اللّه بك فقال أوقفني وغفر
لي كل ذنب أقررت به في الدنيا إلا واحداً استحييت أن أقر به فوقفني في
العرق حتى سقط لحم وجهي فقيل له وما ذاك فقال نظرت إلى شخص جميل فاستحييت
أن أذكره.
وروى عن هاشم بن حسان أنه قال مات لي ابن حدث فرأيته في
النوم فإذا شيب رأسه فقلت يا بني ما هذا الشيب قال لما قدم علينا فلان
زفرت جهنم لقدومه زفرة لم يبق أحد منا إلا شاب. وقيل لما مات كرز بن وبرة
رؤي في المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض وقيل
ما هذا؟ فقالوا إن أهل القبور كسوا لباساً جدداً لقدوم كرز عليهم.
وروي
أن بعض الصالحين قال كان لي ابن استشهد فلم أره في المنام إلى ليلة توفي
عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه إذ تراءى لي تلك الليلة فقلت يا بني ألم
تك ميتاً فقال لا ولكني استشهدت وأنا حي عند اللّه تعالى أرزق فقلت ما جاء
بك فقال نودي في أهل السماوات أن لا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلا ويحضر
الصلاة على عمر بن عبد العزيز فجئت لأشهد الصلاة ثم جئتكم لأسلم عليكم.
وروي
أن عبد الواحد بن عبد المجيد الثقفي قال رأيت جنازة يحملها ثلاثة رجال
وامرأة فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة فصلينا عليها ودفناها فقلت
للمرأة من كان هذا منك قالت ابني أو لم يكن لك جيران قالت نعم ولكنهم
صغروا أمره فقلت وإيش كان هذا فقالت هو مخنث قال فرحمتها وذهبت بها إلى
منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثياباً ونمت تلك الليلة فرأيت كأنه أتاني آت
كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يشكرني فقلت من أنت قال أنا
المخنث الذي دفنتموني اليوم رحمني ربي باحتقار الناس إياي تزود لنفسك يا
أخي بالتقوى ومن عرف ما بين يديه لم يؤثر الهوى ومن تفكر في رحيل من كان
لديه صار النهوض مستيقناً عليه كم مغرور بشبابه وصحة حاله اختطفه الموت من
خلاله كم من مائل إلى جمع ماله تركه تركة ومر بأثقاله هل رحم الموت مريضاً
لضعف أوصاله هل ترك كاسباً لأجل أطفاله:
لقد أخبرتك الحدثات نزولها ... ونادتك ألا إن سمعك ذو وقر
تنوح وتبكي للأحبة إن مضوا ... ونفسك لا تبكي وأنت على الأثر
اللهم ارحمنا ولا تعذبنا وانصرنا ولا تخذلنا وعافنا ولا تمرضنا وأكرمنا
ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا إنك على كل شيء قدير.
وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال وذكر
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الدجال فقال " إن يخرج وأنا فيكم فأنا
حجيجه وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه واللّه خليفتي على كل مسلم إنه
شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ
عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جوازكم من فتنته انه خارج خِلَّةٌ بين الشام
والعراق فعاث يميناً وعاث شمالاً يا عباد اللّه فاثبتوا " قلنا يا رسول
اللّه وما لبثه في الأرض قال " أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم
كجمعة وسائر أيامه كأيامكم " قلنا فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة
يوم قال " لا أقدروا له قدره " قلنا يا رسول اللّه وما إسراعه في الأرض
قال " كالغيث استدبرته الريح فيأتي القوم فيدعوهم فيؤمنون به فيأمر السماء
فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعاً
وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون
ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك
فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف
فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك
إذ بعث اللّه المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين
مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذ طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر
منه مثل جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث
ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم
اللّه منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم في الجنة بدرجاتهم فبينما هو كذلك إذ
أوحى اللّه إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فأحرز
عبادي إلى الطور ويبعث اللّه يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر
أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول لقد كان بهذه
مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون
قد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء
فيرد اللّه إليهم نشابهم مخضوبة خضوبة دماً ويحصر نبي اللّه وأصحابه حتى
يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب اللّه عيسى
وأصحابه فيرسل اللّه عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة
ثم يهبط نبي اللّه وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا
ملأه زهمهم " وروي زهمهم بضم الزاي وفتح الهاء وموضع زهمة وهي الريح
المنتنة " ونتنهم فيرغب نبي اللّه عيسى وأصحابه إلى اللّه فيرسل عليهم
طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللّه " ويروي تطرحهم بالسهيل
" ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعباتهم سبع سنين ثم يرسل اللّه
مطراً لا يكن منه بيت مد ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال
للأرض انبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة منت الرمانة ويستظلون
بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس
واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من
الناس فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض
روح كل مؤمن وتبقي شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير فعليهم تقوم الساعة "
وأنشد بعضهم:
مثل لقلبك أيها المغرور ... يوم القيامة والسماء تمور
قد كورت شمس النهار وأضعفت ... حراً على رأس العباد تفور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها ... فرأيتها مثل السحاب تسير
وإذا العشار تعطلت عن أهلها ... خلت الديار فما بها مغرور
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت ... وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا الوحوش بعد القيامة أحضرت ... وتقول للأملاك أين نسير
فيقال سيروا تشهدون فضائحاً ... وعجائباً قد أحضرت وأمور
وإذا الجنين بأمه متعلق ... خوف الحساب وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف لهوله ... كيف المقيم على الذنوب دهور
(وَنُفِخَ
فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ
مَن شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالحَقِّ
وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ. وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى
جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ
عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا
قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى
الْكَافِرِينَ. قِيلَ ادْخُلُوَاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا
فَبِئْسَ مَثْوَى آلْمُتَكَبِرِينَ. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ
رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ
فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا
وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ
نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ
مِنْ حَولِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم
بِالْحَقِ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.).
وفي كتاب
النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم: " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وأصغى بسمعه وحنى جبهته
ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ " . قالوا يا رسول اللّه وكيف نقول قال: "
قولوا سبحان اللّه ونعم الوكيل على اللّه توكلنا " .
وفي صحيح مسلم عن
عائشة رضي اللّه عنها قالت سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "
يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً " . قلت يا رسول اللّه النساء
والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: " يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر
بعضهم إلى بعض " . وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف
صنفاً مشاة وصنفاً ركباناً وصنفاً على وجوههم " . قيل يا رسول اللّه وكيف
يمشون على وجوههم قال: " إن الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر على
أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك " .
وفي صحيح
البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف طرائق راغبين وراهبين واثنان على
بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار
تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي
معهم حيث أمسوا " .
وفيه قال صلى الله عليه وسلم: " يقبض اللّه الأرض يوم القيامة ويطوي
السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض " .
وفيه
قال يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء صفراء كقرصة النقي قال سهل أو
غيره وليس فيها معلم لأحد وصح أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "
يبعث الميت في ثيابه التي مات فيها " قيل المراد بالثياب العمل وحمله أبو
سعيد الخدري على ظاهره.
وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق
حتى تكون كمقدار ميل " . قال سليم بن عامر فواللّه ما أدري ما يعني بالميل
المسافة الأرض أو الميل الذي يكتحل به العين قال: " فيكون الناس على قدر
أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم
من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً وأشار بيده صلى الله
عليه وسلم إلى فيه " .
وفي مسند أبي بكر البزار عن جابر بن عبد اللّه
قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إن العرق يلزم المرء في الموقف
حتى يقول يا رب إرسالك بي إلى النار أهون علي مما أجد وهو يعلم ما فيها من
شدة العذاب.
وقال بعض السلف لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض
وأذابت الصخر ونشفت الأنهار.
وقال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " سبعة يظلُّهم اللّه تعالى في ظله يوم لا
ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة اللّه ورجل قلبه متعلق بالمسجد
إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في اللّه اجتمعا عليه وتفرقا عليه
ورجل ذكر اللّه تعالى خالياً ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال
فقال إني أخاف اللّه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه " .
قال الحسن البصري رحمه اللّه فما ظنكم بيوم قاموا فيه على
أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا شربة حتى
انقطعت أعناقهم عطشاً واحترقت أجوافهم جوعاً ثم انصرف بهم إلى النار فسقوا
من عين آنية أي متناهية في الحرارة أوقدت عليها جهنم منذ خلقها.
وفي
رواية في صحيح مسلم سبعون ألفاً مع كل واحد منهم سبعون ألفاً قال في
المفاتيح: التوكل نوعان خاص وهو أن يترك التداوي والاسترقاء والكي لغاية
ثقته بأنه لا يصيبه إلا ما كتب اللّه له من النفع والضر وهو المراد هنا.
وعام يجب على الكل وهو أن يعلم أن لا مؤثر إلا اللّه فالطعام لا يشبع
والأدوية لا تشفي إلا بأمره، ومن له هذا الاعتقاد جاز له التداوي
والاسترقاء. وكسب المال بالتجارة والحرف.
وفي الصحيحين عن عائشة
رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " من حوسب يوم
القيامة عذب " فقلت أليس قد قال اللّه تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
حِسَاباً يَسِيراً) قال " ليس ذلك الحساب إنما ذلك العرض من نوقش الحساب
يوم القيامة عذب " .
فتفكر رحمك اللّه سؤال ربك لك بغير واسطة على كل
قليل وكثير ونقير وقطمير وقول الملائكة يا فلان هلم إلى الموقف وقد روي
عنه عليه السلام: إن للّه ملكاً ما بين شفرتي عينيه مسيرة مائة عام فما
ظنك بنفسك إذا شاهدت مثل هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام
العرض فترتعد فرائضك وتضطرب جوارحك وتتمنى حملك إلى جهنم ولا تعرض قبائحك
على ربك تعالى فتوهم نفسك في أيدي الموكلين بك حتى انتهوا بك إلى عرش
الرحمن فرموك من أيديهم وناداك اللّه عز وجل بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن
مني فدنوت بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وأعطيت كتابك الذي لا يغادر
صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فليت شعري بأي قدم تقف بين يدي اللّه وبأي
لسان تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول وماذا تقول إذا قال: أما استحييت مني
ظننت أني لا أراك.
وعن الفضيل: إني لا أغبط أن أكون ملكاً مقرباً ولا
نبياً مرسلاً ولا عبداً صالحاً أليس هؤلاء يعاقبون في القيامة إنما أغبط
من لم يخلق.
وأنشد بعضهم:
مثل وقوفك يوم الحشر عريانا ... مستعطفاً قلق الأحشاء حيرانا
النار تزفر من غيظ ومن حنق ... على العصاة وتلقى الرب غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... وانظر إليه ترى هل كان ما كانا
لما قرأت كتاباً لا يغادر لي ... حرفاً وما كان في سر وإعلاناً
قال الجليل خذوه يا ملائكتي ... مروا بعبدي إلى النيران عطشانا
يا رب لا تحزنا يوم الحساب ولا ... تجعل لنا فينا اليوم سلطانا
وفي
الصحيح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
أتدرون من المفلس " قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال " إن
المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا
وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من
حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم
طرح في النار " .
وفي الصحيح " إن أول ما يقضى في الدماء " .
وفي
معالم التنزيل روي عن عبد اللّه بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع
اللّه الأولين والآخرين ثم نادى مناد من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه
فليأخذه فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه
فيأخذ منه وإن كان صغيراً ومصداق ذلك في كتاب اللّه عز وجل: (فَإِذَا
نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ
يَتَسَاءَلُونَ. فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ
خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ.).
ويؤتى بالعبد وينادي
مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق
فليأت إلى حقه ثم يقال آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين وقد ذهب الدنيا
فيقول اللّه عز وجل للملائكة انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن
بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا ربنا بقي له مثقال ذرة من حسنة
فيقول اللّه عز وجل ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في
كتاب اللّه عز وجل: (إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن
تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا).
وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة إلهنا
فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول اللّه عز وجل خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى
سيئاته ثم صكوا له صكاً إلى النار.
وذكر الترمذي من حديث عبد اللّه بن
عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
إن اللّه سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه
تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول اللّه أتنكر من هذا
شيئاً،أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول اللّه أفلك عذر فيقول
لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له
بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه فيقول
أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال: إنك لا تظلم
قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة
قال فلا يثقل مع أسم اللّه شيء: أي من كان معه ذكر اللّه فلا يقاومه شيء
يترجح من المعاصي بل يترجح الذكر على المعاصي.
فتفكر رحمك اللّه في
ميزانك واحترز من خسرانك واعلم أن من لا سيئة له فله الجنة ومن لا حسنة له
فله النار ومن خلط فالعدل بالميزان فاتقوا اللّه عباد اللّه ومظالم العباد
بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم
فإن ما بين العبد وبين اللّه خاصة فالمغفرة إليه أسرع.
وقيل إذا تعلق
المظلوم بالظالم الأواب وهو الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه ولم يتمكن من
الاستحلال قال اللّه للمظلوم ارفع رأسك فيرفع راسه فإذا بقصر عظيم يلوح
فيقول: ما هذا يا رب؟ فيقول: إنه للبيع فاشتره مني فيقول ما معي ثمنه
فيقول: أن تبرئ مظلمة أخيك فالقصر لك فيقول قد فعلت يا رب.
وحكي أنه
لما حضرت لقمان الحكيم الوفاة بكى فقال له ابنه ما يبكيك يا أبت؟ فقال يا
بني لست أبكي على الدنيا ولا على نعيمها ولكن على ما أمامي من الشقة
البعيدة والمفازة السحيقة والعقبة الكئود والزاد القليل والحمل الثقيل ولا
أدري أيحط عني ذلك الحمل حتى أبلغ الغاية أم أثقل حتى أساق إلى النار
فلهذا أبكي فمات رحمه اللّه.
وأنشد بعضهم:
أراني إذا حدثت نفسي بتوبة ... تعرض لي من دون ذلك عائق
تقضت حياتي في اشتغال وغفلة ... وأعمال سوء كلها لا توافق
طردت وغيري بالصلاح مقرب ... ودون بلوغي مسلك متضايق
وكيف وزلات المسيء كثيرة ... أيقرب عبد عن مواليه آبق
إلى اللّه أشكو قلب سوء قد احتوى ... عليه الهوى واستأصلته
العلائق
ولي حزن يزداد في كل لحظة ... ودمع جفوني للبكاء يسابق
فإن تغفر الذنب الذي قد أتيته ... فذاك رجائي والظنون توافق
علامة ما يولي من الفضل إن أنا ... هجرت الدنا أو قلت إنك طالق
هنالك يبدو كل سر معظم ... لعيني وتغشاني هناك الحقائق
"
قوله لم يظمأ " أي لم يعطش وفيه أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من
النار، وفيه أن الواردين المارين عليه كلهم يشربون، وإنما يمنع الذين
يزادون عن الورود والمرور عليه، وسحقاً: أي بعداً، وهذا مشعر بأنهم مرتدون
عن الدين، لأنه يشفع للعصاة، ويهتم بأمرهم، ولا يقول لهم مثل ذلك.
وفي
صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " بينما أنا قائم عند الحوض، إذ زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من
بيني وبينهم، فقال هلم فقلت: إلى أين؟ قال إلى النار واللّه قلت: ما
شأنهم، قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة إذا
عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت إلى أين قال: إلى النار
واللّه، قلت: ما شأنهم، قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه
يخلص فيهم إلا مثل همل النعم " .
قال الكرماني في الكواكب الدراري
والهمل بفتحتين ما يترك مهملاً لا يتعهد ولا يرعى، حتى يضيع ويهلك، أي لا
يخلص منهم من النار، إلا قليل وهذا مشعر بانهم صنفان كفار وعصاة.
وفي
صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم أتي المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء اللّه
بكم لاحقون، ووددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول
اللّه؟ قال بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد " . قالوا: وكيف
تعرف من لم يأتي بعد من أمتك يا رسول اللّه؟ قال: أرأيت لو أن رجلاً له
خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول
اللّه قال: " فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض
ألا ليذادن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال أناديها ألا هلم ألا هلم،
فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً " .
وفي كتاب الترمذي عن
ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم " حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه
اشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شربة
شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أول الناس وروداً عليه فقراء المهجرين، الشعت
رؤوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد "
فقال عمر بن عبد العزيز لكني نكحت متنعمات، وفتحت لي السدد نكحت فاطمة بنت
عبد الملك، لا جرم أن لا أغسل رأسي، حتى يتشعت، ولا أغسل ثوبي الذي يلي
جسدي حتى يتسخ.
وفي صحيح البخاري كان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا
نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. واعلم أن الحوض بيد النبي
صلى الله عليه وسلم، على باب الجنة، يسقى منه المؤمنون، وهو مخلوق اليوم،
فتب يا أخي إلى ربك واتقه ليخرجك من همك، واسأله أن يبقيك فتنة تقع في
دينك، فتذاد عن حوض نبيك قيل إن اللّه ستر ثلاثاً في ثلاث، ستر رضاه في
طاعته فلا يحقرن أحدكم من الطاعة شيئاً فرب محتقر من الطاعة فيه رضا
اللّه، وستر غضبه في معصيته فلا يحقرن أحدكم شيئاً من المعصية، فرب محتقر
من المعصية فيه غضب اللّه، وستر وليه في خلقه فلا يحقرن أحدكم أحداً من
خلق اللّه، فرب من لا يؤبه له وهو ولي اللّه، وستر أيضاً رابعاً، وهو
الإِجابة في الدعاء، فلا يحقرن أحدكم شيئاً من الدعاء، على أي حال كان،
وفي أي موطن كان.
قف على الباب طالباً ... وذر الدمع ساكباً
وتوسل إليه وار ... جع عن الذنب تائباً
تلق من حسن صنعه ... عند ذاك العجائبا
لاتخف أن ترد عن ... كرم اللّه خائبا
فهو يجزي على اليسي ... ر ويعطي الرغائبا
شرف المرء بالتقى ... فاجعل الصدق صاحبا
واحتشم أن يراك رب ... ك للذنب راكبا
إن للدهر أسهما للرزايا صوائبا
وخطوباً تتابعت ... فأثارت نوائبا
فارض باللّه واعتصم ... واسأل اللّه راغبا
ذكر
أبو بكر البزار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يحمل الناس يوم
القيامة على الصراط فيتفادع بهم جنبا الصراط تفادع الفراش في النار ثم
يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء والصالحين فيشفعون ويخرجون من في النار "
.
وروي في الصحيح: " إن أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ثم العلماء " .
وفي
كتاب الترمذي قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " يدخل الجنة
بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم " . قيل: يا رسول اللّه سواك، قال: "
سواي " .
وفي مسند البزار: قال: رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " إن
من أمتي من يشفع للفئام من الناس ومنهم من يشفع للعصبة ومنهم من يشفع
للقبيلة، ومنهم من يشفع للرجل وأهل بيته " .
وروى الدارقطني عن أبي
أمامة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " نعم الرجال أنا لشرار
أمتي " . قالوا كيف لخيارها، قال: " أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم،
وأما شرار أمتي، فيدخلون الجنة بشفاعتي " .
وروي عن عوف بن مالك قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " أتاني آت من عند اللّه فيخبرني بين
أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك
باللّه شيئاً " .
وفي الوسيط للواحدي عن جابر قال: سمعت رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم يقول: " إن الرجل يقول في الجنة ما فعل صديقي وصديقه في
الجحيم فيقول اللّه عز وجل أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي فيها
فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " .
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد
الخدري قال: إن ناساً قالوا يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة، قال:
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " نعم " . قال هل: " تضارون في رؤية الشمس
بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً
ليس فيها سحاب " . قالوا: لا يا رسول اللّه. قال " ما تضارون في رؤية
اللّه تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان
يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد
غير اللّه سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم
يبق إلا من كان يعبد اللّه من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب فيدعى اليهود
فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن اللّه فيقال: كذبتم ما
اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا ربنا فاسقنا،
فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً،
فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا:
كنا نعبد المسيح ابن اللّه، فيقال لهم : كذبتم ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا
ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون، فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا قال فيشار
إليهم ألا تردون فيحشرهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً فيتساقطون
في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللّه تعالى من بر وفاجر أتاهم
رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رواه فيها، قال فما
تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا
أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه
منك لا نشرك باللّه شيئاً " مرتين أو ثلاثاً " حتى أن بعضهم ليكاد أن
ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها، فيقولون: نعم. فيكشف عن
ساق فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللّه له بالسجود،
ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء، إلا جعل اللّه ظهره طبقة واحدة كلما
أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي
رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، قد أخذت النار إلى
نصف ساقية وإلى ركبتيه ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون
اللهم سلم سلم، قيليا رسول اللّه وما الجسر؟ قال: دَحضٌ مزلة فيه خطاطيف،
وكلاليب وحسكٌ تكون بنجد فيه شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرفة
العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدش
مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده
ما منكم من أحد منكم بأشد منشدة للّه في استقصاء الحق من المؤمنين للّه
يوم القيامة لإِخوانهم الذين في النار يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا
ويصلون ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار،
فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون:
ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه
مثقال دينار من خير فأخرجوه خلقاً كثيراً، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها
أحداً ممن أمرتنا ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال من خير
فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً، فيقول
اللّه: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم
الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعلموا خيراً قط، قد
عادوا حمماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة،فيخرجون
كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما
يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا
رسول اللّه كأنك كنت ترعى بالبادية قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم
الخواتمن فيعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللّه الذين أدخلهم اللّه الجنة
بغير بعمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه.
أعلم أن الشفاعات خمس: أولها: الإِراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب وهي
مختصة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
والثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهي أيضاً وردت له صلى الله عليه
وسلم.
والثالثة: قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبيا ومن شاء اللّه يشفع له.
والرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها.
والخامسة:
فيمن دخل النار من المذنبين فيشفع فيهم نبياً وغيره من الأنبياء والملائكة
وإخوانهم المؤمنين، ثم يخرج اللّه كل من قال لا إله إلا اللّه من غير
شفاعة شافع حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون كما في حديث عن أنس: " ثم أعود
الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجداً، فيقال يا محمد ارفع رأسك
وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا
اللّه، قال ليس ذلك إليك لكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي، لأخرجن من
قال لا إله إلا اللّه " أي أتفضل بإخراجهم دون شفاعة شافع فهؤلاء هم الذين
معهم مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار
أنه أذن لمن عنده شيء زائد على الإيمان من عمل صالح أو ذكر خفي، أو عمل من
أعمال القلب، من شفقة على مسكين وخوف من اللّه ونية صادقة في عمل فاته،
وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين دليل عليه، وتفرد اللّه بعلم ما تكنه
القلوب، والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان، فقوله مثقال ذرة من إيمان ومن
خير الصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو
تصديق لا يتجزأ، فعليك يا أخي بالإيمان، بأن تعتقد بقلبك دين الإسلام
وتنطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصرت على أحدهما خلدت في نار جهنم التي
وقودها الناس والحجارة، ولا تنفعك شفاعة شافع ثم عليك أن تحترز من
المعاصي، فإن المعاصي بريد الكفر.
فقد حكي أن تلميذاً للفضيل بن عياض
حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه، وقرأ سورة يس. فقال يا
أستاذ لا تقرأ هذه السورة فسكت ثم لقنه، فقال قل لا إله إلا اللّه، فقال
لا أقولها لأني بريء منها ومات على ذلك فدخل الفضيل منزله وجعل يبكي
أربعين يوماً لم يخرج من البيت ثم رآه في النوم وهو يسحب به إلى جهنم.
فقال: بأي شيء نزع اللّه المعرفة عنك وكنت اعلم تلاميذتي؟ فقال بثلاثة
أشياء: أولها: بالنميمة، فإني قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك.
وثانياً: بالحسد، حسدت أصحابي.
وثالثاً:
كان بي علة فجاء إلى طبيب فسألته عنها فقال: اشرب في كل سنة قدحاً من خمر
فإن لم تفعل تبقى بك العلة فكنت أشربه نعوذ باللّه من السخط الذي لا طاقة
لنا به.
قال بعضهم:
إذا أبقيت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
اللهم
ارحمنا ولا تعذبنا، ووفقنا ولا تخذلنا، ولا تسلب منا الإيمان عند
خواتيمنا، فإنه لا ملجأ لنا إلا إليك، ولا معول لنا إلاعليك يا أرحم
الراحمين.
(وَأَصْحَابُ
الشِمَالِ مَا أَصْحابُ الشِمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِن
يَحْمُومٍ.لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ
مُتَرَفِينَ. وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ. وَكَنُواْ
يَقُولُونَ أَئِذا مِتْنَا وكُنَّا تُرَاباً وعِظَاماً أَإِنَّا
لَمَبْعُوثُونَ. أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ. قُلْ إِنَّ الأَوَلِينَ
وَالآخِرينَ. لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَومٍ مَعْلُومٍ. ثُّمَّ
إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالْونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ
مِن زَقُومٍ. فَمَالِؤنَ مِنْهَا البُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ
الحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ
الدِّينِ. نَحْنُ خَلَقْنكُمْ فَلَولا تُصَدِّقُونَ.) (خُذُوهُ
فَغُلُّوهُ. ثُّمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُّمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا
سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلِكُوهُ. إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤمِنُ بِالله
الْعَظِيمِ. وَلاَ يَحَضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكينِ. فَلَيْسَ لَهُ
الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ. وَلاَ طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ. لاَّ
يَأكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُنَ.).
(هل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ. عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ. تَصْلَى نَاراً
حَامِيَةٌ. تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ
مِن ضَرِيعٍ. لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ).
وفي كتاب
الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم
لما خلق اللّه الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى
ما أعد اللّه لأهلها فيها، ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا
دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر
إليها ثم جاء، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد.
قال فلما
خلق اللّه النار، قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال:
أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال يا جبريل
اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا
يبقى أحد إلا دخلها.
وفي صحيح مسلم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
" ناركم هذه التي يوقدها ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم " ،
قالوا واللّه إن كانت لكافية يا رسول اللّه. قال: " إنها فضلت عليها بتسعة
وستين جزءاً كلها مثل حرها " .
وذكر سفيان بن عيينة عن أبي هريرة. قال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار
جهنم ولولا أنها ضربت بالماء مرتين ما كان لأحد فيها منفعة " .
وفي
كتاب الترمذي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم: " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى
ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة " .
وفي صحيح
مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: كنا مع رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم إذ سمع وجبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذا؟ " قال:
قلنا اللّه ورسوله أعلم قال: " هذا حجر رُميَ به في النار منذ سبعين
خريفاً فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها " .
وفي
كتاب الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم: " لو أن رضاضة مثل هذه وإشارة إلى مثل الجمجمة، أرسلت من
السماء إلى الأرض، في مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها
أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ
أصلها أو قعرها " .
وفي صحيح البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: " يقول اللّه:لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة، لو أن لك ما
في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من
هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك " .
وفي
صحيح مسلم عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم: " إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي
منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم
عذاباً " .
وفيه عن سمرة بن جندب أنه سمع رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم يقول: " إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته
ومنهم من تأخذه إلى عنقه " .
وفي مسند البزار عن هريرة رضي اللّه عنه
قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " لو كان في المسجد مائة ألف أو
يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم " .
وفي كتاب الترمذي عن ابن
عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " لو أن
قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن
يكون طعامه؟ " .
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لسرادق النار
أربعة جدر، وكثف كل جدار مسيرة أربعين سنة " .
قالصلى الله عليه وسلم: " لو أن دلواً من غساق تهراق في الدنيا لأنتن أهل
الدنيا " .
قال العلماء: عرق أهل النار وصديدهم.
وقيل دموعهم يسقونها مع الحميم.
وقال
صلى الله عليه وسلم: " ويل واد في جهنم يهوى الكافر فيه أربعين خريفاً قبل
أن يبلغ قعره والصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ويهوى كذلك أبداً
" .
وقال صلى الله عليه وسلم: " لو أن مقمعاً من حديد وضع على الأرض
فاجتمع الثقلان ما نقلوه من الأرض. وقال: لو ضرب بمقمع من حديد الجبل
لتفتت وصار غباراً " .
وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه
قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " يخرج عنق من النار يوم القيامة
له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول إني قد وكلت بثلاث، بكل
جبار عنيد، وبكل من دعا مع اللّه إلهاً آخر، وبالمصورين " .
وفي كتاب
الترمذي عن أبي أمامة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في
قوله: (وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ
يُسِيغُهُ).
قال يقرب إلى فيه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع
أمعاءه حتى يخرج من دبره.
يقول اللّه تعالى: (وَسُقُواْ مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ).
ويقول جل وعلا: (وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ
يَشْوِى الْوُجُوهَ).
وفيه
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الحميم
ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى
يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " .
وفيه عن أبي سعيد الخدري
رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وهم فيها كالحون: قال
تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى
حتى تضرب سرته " .
وفي كتاب الترمذي قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم: " إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً،وإن ضرسه مثل أُحد، وإن
مجلسه في جهنم كما بين مكة والمدينة " .
وفي صحيح مسلم قال: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة
ثلاث.
وقال: ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاث للراكب المسرع.
وروي
عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "
إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس " .
وفي كتاب
الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " أيها
الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل
دموعهم على وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح
العيون فلو أن سفناً أجريت فيها لجرت " .
وحكي عن شقيق البلخي أنه كان
يوماً يعاتب نفسه ويوصيها ويقول: يا شقيق لا تعص اللّه إلا على حسب ما
تطيق من عذابه واعمل لآخرتك على قدر حوائجك إليها، واطلب الرزق على قدر
مقامك في الدنيا، واعمل لدار لا نفاذ لها فسوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس
تحتك أم حمار.
وروي أن الربيع بن خثيم كان يذهب إلى ابن مسعود فمر
بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماة في الكير فغشي عليه، ولم يفق إلى الغد،
فلما أفاق سئل عن ذلك؟ فقال: تذكرت كون أهل النار في النار.
إخواني
صححوا الإِيمان: وهو تصديق القلب، ولا يعتبر إلا مع التلفظ بالشهادتين حتى
تنجوا من خلود نار جهنم واحرصوا كل الحرص على الإِتيان بكمال خصال
الإِسلام حتى تنجوا من دخولها رأساً.
أيا عاملاً للنار جسمك لين ... فجربه لتمرينا بحرِّ الظهيرة
ودرجه في لسع الزنابير تجتري ... على نهش حيات هناك عظيمة
فإن كنت لا تقوى فويلك ما الذي ... دعاك إلى إسخاط رب البرية
تبارز بالنكرات عشية ... وتصبح في أثواب نسك وعفة
فأنت عليه منك أجرى على الورى ... بما فيك من جهل وخبث طوية
تقول مع العصيان ربي غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشيئة
وربك رزاق كما هو غافر ... فلم لم تصدق فيهما بالسوية
فإنك ترجو العفو من غير توبة ... ولست ترجى الرزق إلا بحيلة
على أنه بالرزق كفل نفسه ... لكل ولم يكفل لكل بجنة
إلهي أجرنا من عظيم ذنوبنا ... ولا تخزنا وانظر إلينا برحمة
وخذ بنواصينا إليك وهب لنا ... يقيناً يُقينا كل شك وريبة
إلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا ... إلى الحق نهجاً في سواء الطريقة
وكن شغلنا عن كل شغل وهمنا ... وبغيتنا عن كل هم وبغية
وصل صلاة لا تناهي على الذي ... جعلت به مسكاً ختام النبوة
فيجابون: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ
النَّذِيرُ).
فيقولون ألفاً: (رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحَاً فِيمَا
تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا).
فيجابون: (اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ).
ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء.
وفي
صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم قال: " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار
أتى بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ يا أهل
الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم
ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم " .
وفي كتاب الترمذي: فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً
مات حزناً لمات أهل النار.
فاتق اللّه يا أخي ولا تصغر ذنباً ولا تلق مثل هذا خلف ظهرك ظناً منك أنه
إِنما يلحق الكفار.
فقد روي البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بلال قم
فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن " .
وإنه
قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل
الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم " .
وقال
الغزالي رحمه اللّه وكان شيخنا يقول: إذا بحال الكفار وخلودهم في النار
فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على الخطر ولا تدري ماذا يكون من العاقبة
وماذا سبق لك في حكم الغيب ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
وعن
ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ).
هي الموت غير الشهادة.
نصف دينار من خير فأخرجوه
فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم
يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة قال أبو حفص الحداد: بريد الكفر
كما أن الحمَّى بريد الموت.
وقال حاتم الأصم: لا تغتر بموضع صالح فلا
مكان أصلح من الجنة،فلقي آدم فيها ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن
إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي،ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن
اسم اللّه الأعظم، فانظر ماذا لقي، ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر
من المصطفى فلم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه.
وعن أبي بكر الوراق رحمه
اللّه، أنه قال: أكثر ما ينزع الإِيمان من العبد عند الموت، فنظرنا في
الذنوب فلم نجد أنزع للإِيمان من ظلم العباد.
أقنع فديتك بالقليل ... والزم مقارنة الخمول
واملك هواك مجاهداً ... وتنح عن قال وقيل
فلسوف تسأل يوم يح ... شرك المليك عن الفتيل
والمرء في شغل بذا ... ك عن المصاحب والخليل
لابد تجزى ما صنع ... ت من الدقيق وبالجليل
تنح ما استطعت على ذنوبك بالغدو وبالأصيل إن كنت ترغب في الجنان، وظل
مولاك الظليل.
قال
في إكمال المعلم: اعلم أن الإِجماع قد وقع على أن الكفار لا تنفعهم
أعمالهم ولا يثابون عليها بتخفيف عذاب، ولا بنعيم لكنهم بإضافة بعضهم إلى
الكفر كبائر المعاصي وأعمال الشر وأذى المؤمنين يزدادون عذاباً.
كما
قال اللّه تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ
الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ
آلْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. حَتَّى أَتَنَا
الْيَقِينُ. فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّافِعِينَ) فليس إذن عذاب أبي
طالب كعذاب أبي جهل.
وذكر عن الحسن أن آخر من يخرج من النار يقال له
هناد عذب ألف عام ينادي: يا حنان، يا منان، فبكى الحسن وقال: يا ليتني كنت
هناداً، فتعجبوا منه، فقال: ويحكم أليس يوماً يخرج ولاشك أنه رحمه اللّه
كان عالماً بأحكام الآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: لا تدري أي المصيبتين
أعظم، أفوت الجنان، أم دخول النيران، أما الجنة فلا صبر عنها وأما النار
فلا صبر عليها وعلى كل حال، فوت النعيم أيسر من مقاساة ا لجحيم ، ثم
الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى هي في الخلود إذ أي قلب يحتمله وأي نفس
تصبر عليه.
قال اللّه
تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ
لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ
مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن
قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَبِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةٌ
وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ).
والسابقون أي إلى الهجرة أو الخير.
(وَالسَّابِقُونَ
السَّابِقُون. أُوْلئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّتِ النَّعِيِم.
ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ. عَلَى سُرُرٍ
مَّوْضُونَةٍ).
أي منسوجة بالذهب مشبكة بالجواهر (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ)
وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد.
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌ مُّخَلَّدُونَ) ولا يشيبون ولا يتغيرون.
(بِأَكْوَابٍ) جمع كوب إناء لا عروة ولا خرطوم له.
(وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ
يُنزِفُونَ) أي لا ينشأ عنها صداعهم ولا ذهاب عقلهم.
(وَفَاكِهَةٍ
مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ
عِينٌ. كَأَمْثَلِ الُّلؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي المصون عما يضر به.
(جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً)
عبثاً باطلاً.
(وَلاَ تَأْثِيماً) أي ما يوقع في الإِثم.
(إِلاَّ قِيلا سَلاَماً سَلاَماً) أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض.
(وَأَصْحَابُ الْيِمَينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) وهم الأبرار دون
المقربين.
(فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ) أي لا شوك له أو مثنى الغصن من كثرة الحمل.
(وَطَلْحٍ) موز.
(مَّنضُودٍ) متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه.
(وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) أي منبسط أو دائم.
وفي
الحديث: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها
(وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ) أي مصبوب يجري على وجه الأرض من غير أخدود.
(وَفَاكِهَةٍ
كَثِيرَةٍ. لاَّ مَقْطُوعَةٍ) في زمان (وَلاَ مَمنْوُعَةٍ) من أحد
(وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ) كما بين السماء والأرض (وُجُوهٌ يَوَمَئِذٍ
نَّاعِمَةٌ) ذات بهجة (لّسَعْيِها) في الدنيا (رَاضِيَةٌ) في الآخرة لما
رأت من ثوابها(في جَنَّةٍ عَالِيَة) المحل أو القدر (لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا
لَغِيَةً) لغواً (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. فِيَها سُرُرٌ مَّرْفُعَةٌ)
رفيعة السمك إذا أراد أن يجلس عليها صاحبها تواضعت له ثم ترتفع
(وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ) بين أيديهم (وَنَمَارِقُ) وسائد (مَصْفُوفَةٌ)
بعضها بجنب بعض (وَزَرَابِىُّ) بسط فاخرة. (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة.
وفي
صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم: " قال اللّه تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر).
اقرءوا إن شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ).
قال أهل اللغة قرة أعين يعبر بها عن المسرة، ورؤية ما يحب الإِنسان
ويوافقه.
وفي
صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "
إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة " اقرءوا إن شئتم
(وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس
أو تغرب " .
وفي كتاب الترمذي: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب.
وفي
كتاب الترمذي عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول اللّه مم خلق الخلق؟ قال: "
من الماء " . قلنا الجنة ما بناؤها؟ قال: " لبنة من ذهب، ولبنة من فضة،
وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من
يدخلها ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت ولا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم "
.
وفي صحيح مسلم: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " إن أول زمرة
تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضواء كوكب دري في
السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في
الجنة أعزب " .
وفيه أيضاً: " ...لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون،
ولا يتفلون أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور
العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في
السماء " .
وفيه أيضاً: " ... لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد،
يسبحون اللّه بكرة وعشية " .
وفيه
قال: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون ولا يتغوطون،
ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون
التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس.
وفي الصحيحين قال: " إن أهل الجنة
يتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من
المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم " قالوا: يا رسول اللّه تلك منزل الأنبياء
لا يبلغها غيرهم، قال: " بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه وصدقوا
المرسلين " .
وفي مسند البراز عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم: " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيجيء
مشوياً بين يديك " .
وفي كتاب الترمذي عن علي رضي اللّه عنه قال: قال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من
بطونها، وبطونها من ظهورها " فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول اللّه
فقال: " هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى بالليل
والناس نيام " .
وفي كتاب الترمذي عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: " لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما
بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره
لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم " .
وفي كتاب الترمذي
عن علي رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " إن في
الجنة لسوقاً متجمعاً ما فيها شراء ولا بيع إلا صور من الرجال والنساء
فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها " .
وفي كتاب الترمذي عن سليمان بن
بريدة عن أبيه أن رجلاً قال يا رسول اللّه هل في الجنة من خيل؟ قال: " إن
اللّه أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك
في الجنة، حيث شئت إلا حملت " وسأله رجل فقال: يا رسول اللّه هل في الجنة
من إبل فقال: " إن يدخلك اللّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك
" .
وفي كتاب الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: " من مات من أهل الجنة
من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبداً،
وكذلك أهل النار " وقال: " إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين
المشرق والمغرب " .
وفي كتاب الترمذي قال: " إن في الجنة مائة درجة ما
بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر
أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم اللّه فاسألوه
الفردوس " .
وحكي أن أصحاب الثوري كلموه فيما كانوا يرون من خوفه
واجتهاده ورثة حاله، فقالوا: يا أستاذ لو نقصت من هذا الجهد نلت مرادك
أيضاً إن شاء اللّه تعالى، فقال سفيان كيف لا أجتهد وقد بلغني أن أهل
الجنة يكونون في منازلهم فيتجلى لهم نور يضيء له الجنان الثمان فيظنون أن
ذلك نور من عند الرب سبحانه وتعالى فيخرون ساجدين فينادون أن ارفعوا
رؤوسكم ليس الذي تظنون إنما هو نور جارية تبسمت في وجه صاحبها ثم أنشد
يقول:
ما ضر من كان الفردوس مسكنه ... ماذا تحمل من بؤس وإقتار
تراه يمشي كئيباً خائفاً وجلا ... إلى المساجد يمشي بين أطمار
يا نفس مالك من صبر على النار ... قد حان أن تقبلي من بعد إدبار
وقيل
لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا اللّه مفتاح الجنة؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح
إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك، ذكره
البخاري في صحيحه.
وروي أن اللّه عز وجل أوحى إلى موسى: (ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير
عمل، كيف أجود برحمتي على من بيخل بطاعتي....).
وعن
شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب
نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وخذلان. وعن رابعة البصرية
أنها كانت تنشد:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
وقال الشيخ اليافعي رحمة اللّه عليه:
فيا عجباً ندري بنار وجنة ... وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر
إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا ... فماذا بقي فينا من الخير يذكر
ولسنا لحر صابرين ولا بلى ... فكيف على النيران يا قوم نصبر
وفوت جنان الخلد أعظم حسرة ... على تلك فليتحسر المتحسر
فأف لنا أف كلاب مزابل ... إلى نتنها نغدو ولا نتدبر
نبيع خطيراً بالحقير عماية ... وليس لنا عقل وقلب منور
فطوبى لمن يؤتى القناعة والتقى ... وأوقاته في طاعة اللّه يعمر
اللهم اجعلنا من المتقين الوارثين للجنة ولا تحرمنا من رفدك ورحمتك يا
عظيم المنة.
وفي
صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم: " إن اللّه تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك
ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا
رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك،
فيقولون ياربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل لكم رضواني فلا أسخط
عليكم بعده أبداً " .
إخواني: اتركوا الدنيا واكدحوا للآخرة وارفضوا حب
نساء الدنيا واشتروا الحور الفاخرة فإنها تدرك بأيسر الأثمان وتكون معكم
مخلدة في الجنان.
وروي عن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه كان يوماً
ماشياً في أزقة البصرة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها
الخدم، فلما رآها مالك نادى أيتها الجارية: أيبيعك مولاك؟ فقالت: كيف قلت
يا شيخ؟ قال: أيبيعك مولاك؟ قالت: ولو باعني أكان مثلك يشتريني قال: نعم
وخيراً منك، فضحكت وأمرت به أن يحمل إلى دارها، فحمل فدخلت إلى مولاها
فأخبرته فضحك وأمر أن يدخل به إليه، فأدخل، فألقيت له الهيبة في قلب
السيد، قال: ما حاجتك، فقال بعني جاريتك، قال: أو تطيق أداء ثمنها؟ قال
ثمنها عندي نواتان مسوستان فضحكوا، قال وكيف كان ثمنها عندك هذا؟ قال:
لكثرة عيوبها، قال: وما عيوبها. قال: إن لم تتعطر دفرت، وإن لم تستك بخرت،
وإن لم تتمشط وتدهن قملت وشعنت، وإن تعمرت عن قليل هرمت، ذات حيض وغائط
وبول وأقذار وحزن وغم وأكدار، ولعلها أن لا تودك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا
لتنعمها، لا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودك، ولا يخلف عليها أحد بعدك إلا
رأته مثلك، وأنا آخذ بون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت من سلالة
الكافور ومن المسك والجوهر والنور لو مزج ريقها أجاج البحر لطاب، ولو دعي
بكلامها ميت لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت، ولو بدا في
الظلماء لأنارت به وأشرقت، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت به
وتزخرفت، نشأت من بين رياض المسك والزعفران وقضبان الياقوت والمرجان،
وقصرت في خيام النعيم وغذيت بماء التسنيم،لا تخلف عهدها، ولا تبدل ودها
فأيهما أحق برفع الثمن؟ قال التي وصفت، قال فإنها الموجودة الثمن القريبة
الخطب من كل زمن قال فما ثمنها رحمك الله؟ قال أيسر المبذول لنيل الخير
المأمول أن تتفرغ ساعة في ليلك فتصلي ركعتين تخلصهما لربك وأن يوضع طعامك
فتذكر جائعاً فتؤثره للّه تعالى على شهوتك وأن ترفع حجراً أو قذراً وأن
تقطع أيامك بالبلغة والقلة وترفع همك عن دار الغرور والغفلة فتعيش الدنيا
بعز القناعة وتأتي إلى موقف الكرامة آمناً غداً وتنزل الجنة دار النعيم في
جوار المولى الكريم مخلداً.
فقال يا جارية أسمعت ما قال شيخنا هذا؟
قالت نعم قال أفصدق أم كذب قالت بل صدق وبر ونصح قال فأنت إذاً حرة للّه
تعالى، وضيعة كذا وكذا دقة عليك، وأنتم أيها الخدم أحرار وضيعة كذا وكذا
لكم، وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل اللّه، ثم مد يده إلى
ستر خشن كان على بعض أبوابها فاجتذبه وخلع جميع ما كان عليه واستتر به
فقالت الجارية لا عيش بعدك يا مولاي فرمت بكسوتها ولبست ثوباً خشناً وخرجت
معه فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما وأخذ طريقاً وأخذا طريقاً غيره
فتعبدا جميعاً حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة.
رحمهما الله
ورضي الله عنهما ونفعنا بهما وبسائر الصالحين، اللهم يسر علينا متابعتهم
وأوصل إلينا فتوحاتهم وأدم لنا بركاتهم وألحقنا بهم وأحشرنا في زمرتهم
وأدنا هداهم وأسلكنا طريقهم آمين.
رؤية اللّه تبارك وتعالى في الجنة
قال
الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إلَى رَبِّها نَاضِرةٌ.
وَوُجُوهٌ يَوْمَئذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).
وفي
صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة
الجنة يقول اللّه تبارك وتعالى أتريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض
وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار، قال فيرفع الحجاب فينظرون إلى
وجه اللّه تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا
(لِلَّذينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وَزِيَادَةٌ)
قال العلماء الحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه اللّه تعالى
الكريم اللهم ارزقنا ذلك بفضلك.
وروى
الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته
ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على اللّه من ينظر الى وجهه
تعالى غدوة وعشية ثم قرأ: (وُجُوهٌ يَوْمِئّذٍ نَاضِرَةٌ. إلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ).
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد اللّه قال: " نظر رسول اللّه
إلى القمر ليلة البدر قال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا
تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل
غروبها فافعلوه ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا).
وفي كتاب الترمذي عن سعيد بن المسيب
أنه لقي أبا هريرة فقال اسأل اللّه أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال
سعيد أفيها سوق؟ قال نعم أخبرني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم " أن أهل
الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم ثم يؤذن لهم في مقدار يوم
الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض
الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من
زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنئ على كثبان
المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً " .
قال
أبو هريرة: قلت يا رسول اللّه وهل نرى ربنا قال " نعم هل تتمارون في رؤية
الشمس والقمر ليلة البدر؟ " قلنا لا، قال " كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم
ولا يبقى في ذلك المجلس إلا حاضرة اللّه محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا
فلان ابن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول
أفلم تغفر لي فيقول فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبينما هم على ذلك
غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط
ويقول ربنا قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فيأتون
سوقاً قد حفت بهم الملائكة فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع
الآذان ولم يخطر على القلوب فيجمع لنا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشتري
وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً " .
قال " فيقبل الرجل ذو
المنزلة المرتفعة فيلقى من دونه وما فيهم دنئ فيروعه ما يرى من اللباس فما
ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل عليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد
أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا فيقلن مرحباً وأهلاً
لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقنا فنقول إنا جالساً اليوم ربنا
الجبار ويحق لنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا.
قال بعض السادات رأيت
غلاماً في البرية وهو قائم يتعبد وليس معه أحد قد انقطع عن العمارة والناس
فسلمت عليه وقلت له يا فتى أنت بلا معين ولا رفيق، فقال بلى وعزته معي
المعين والرفيق، فقلت فأين المعين والرفيق؟ فقال هو فوقي بقدرته ومعي
بعلمه وحكمته وبين يدي بهدايته وعن يميني بنعمته وعن شمالي بعصمته، قال
فلما سمعت منه هذا الكلام قلت له هل لك في المرافقة فقال هيهات مرافقتك
تشغلني عن خدمته وما أحب أن يكون هذا لي ولي ملك الدنيا من شرقها إلى
غربها فقلت له أما تستوحش في هذا المكان فقال لي يا هذا من كان المولى
حبيبه وأنيسه كيف يستوحش، فقلت من أين تأكل؟ فقال يا هذا الذي غذائي برفقه
في ظلمة الأحشاء صغيراً تكفل بي كبيراً ولي عنده رزق معلوم وله وقت محتوم
فسألته الدعاء فقال لي حجب اللّه طرفك عن معصيته وملأ قلبك بخشيته ولا
جعلك ممن يشتغل بغيره عن خدمته ثم ذهب ليقول فتعلقت به وقلت له يا أخي متى
ألقاك فتبسم وقال أما بعد يومك هذا فلا تحدث به نفسك في الدنيا ويوم
القيامة يوم يجتمع فيه الناس فإن كنت ممن تلقاني فاطلبني في جملة الناظرين
إلى اللّه فقلت له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال به وعدني ربي، ذلك أني غضضت
طرفي عن النظر إلى المحرمات ومنعت نفسي من تناول الشهوات وخلوت بخدمته في
الليالي المظلمات، ثم غاب عني فما رأيته.
اللهم اجعلنا ممن اتصفت بهذه
الصفات الثلاث فنظفر بلقائك يوم الدين ومن الذين يقول لهم خزنة الجنة إذا
جاؤوها: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).
وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم بحمد اللّه وتوف