إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا
"إذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَان بَعِيد سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا" غَلَيَانًا
كَالْغَضْبَانِ إذَا غَلَى صَدْره مِنْ الْغَضَب "وَزَفِيرًا" صَوْتًا شَدِيدًا
أَوْ سَمَاع التَّغَيُّظ رُؤْيَته وَعِلْمه
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ
ثُبُورًا
"وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف
بِأَنْ يُضَيَّق عَلَيْهِمْ وَمِنْهَا حَال مِنْ مَكَانًا لِأَنَّهُ فِي
الْأَصْل صِفَة لَهُ "مُقَرَّنِينَ" مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ : أَيْ
جُمِعَتْ أَيْدِيهمْ إلَى أَعْنَاقهمْ فِي الْأَغْلَال وَالتَّشْدِيد
لِلتَّكْثِيرِ "دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا" هَلَاكًا فَيُقَال لَهُمْ
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا
"لَا تَدْعُوا الْيَوْم ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا"
كَعَذَابِكُمْ
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15)
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا
"قُلْ أَذَلِكَ" الْمَذْكُور مِنْ الْوَعِيد وَصِفَة النَّار "خَيْر أَمْ
جَنَّة الْخُلْد الَّتِي وُعِدَ" وُعِدَهَا "الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ" فِي
عِلْمه تَعَالَى "جَزَاء" ثَوَابًا "وَمَصِيرًا" مَرْجِعًا
لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا
مَسْئُولًا
"لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ" حَال لَازِمَة "كَانَ" وَعْدهمْ مَا
ذُكِرَ "عَلَى رَبّك وَعْدًا مَسْئُولًا" يَسْأَلهُ مَنْ وُعِدَ بِهِ "رَبّنَا
وَآتِنَا مَا وَعَدْتنَا عَلَى رُسُلك" أَوْ تَسْأَلهُ لَهُمْ الْمَلَائِكَة
"رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّات عَدْن الَّتِي وَعَدْتهمْ"
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ
أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ
"وَيَوْم يَحْشُرهُمْ" بِالنُّونِ وَالتَّحْتَانِيَّة "وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ
دُون اللَّه" أَيْ غَيْره مِنْ الْمَلَائِكَة وَعِيسَى وَعُزَيْر وَالْجِنّ
"فَيَقُول" تَعَالَى بِالتَّحْتَانِيَّة وَالنُّون لِلْمَعْبُودِينَ إثْبَاتًا
لِلْحُجَّةِ عَلَى الْعَابِدِينَ "أَأَنْتُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ
وَإِبْدَال الثَّانِيَة أَلِفًا وَتَسْهِيلهَا وَإِدْخَال أَلِف بَيْن
الْمُسَهَّلَة وَالْأُخْرَى وَتَرْكه "أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ"
أَوْقَعْتُمُوهُمْ فِي الضَّلَال بِأَمْرِكُمْ إيَّاهُمْ بِعِبَادَتِكُمْ "أَمْ
هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل" طَرِيق الْحَقّ بِأَنْفُسِهِمْ
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ
مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ
وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا
"قَالُوا سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك عَمَّا لَا يَلِيق بِك "مَا كَانَ
يَنْبَغِي" يَسْتَقِيم "لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك" أَيْ غَيْرك "مِنْ
أَوْلِيَاء" مَفْعُول أَوَّل وَمِنْ زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي وَمَا
قَبْله الثَّانِي فَكَيْفَ نَأْمُر بِعِبَادَتِنَا ؟ "وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ
وَآبَاءَهُمْ" مِنْ قَبْلهمْ بِإِطَالَةِ الْعُمُر وَسَعَة الرِّزْق "حَتَّى
نَسُوا الذِّكْر" تَرَكُوا الْمَوْعِظَة وَالْإِيمَان بِالْقُرْآنِ "وَكَانُوا
قَوْمًا بُورًا" هَلْكَى
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا
نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا
"فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ" أَيْ كَذَّبَ الْمَعْبُودُونَ الْعَابِدِينَ "بِمَا
تَقُولُونَ" بِالْفَوْقَانِيَّةِ أَنَّهُمْ آلِهَة "فَمَا يَسْتَطِيعُونَ"
بِالتَّحْتَانِيَّة وَالْفَوْقَانِيَّة : أَيْ لَا هُمْ وَلَا أَنْتُمْ
"صَرْفًا" دَفْعًا لِلْعَذَابِ عَنْكُمْ "وَلَا نَصْرًا" مَنْعًا لَكُمْ مِنْهُ
"وَمَنْ يَظْلِم" يُشْرِك "مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا" شَدِيدًا فِي
الْآخِرَة
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ
لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ
لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا
"وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ الْمُرْسَلِينَ إلَّا إنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ
الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق" فَأَنْتَ مِثْلهمْ فِي ذَلِكَ وَقَدْ
قِيلَ لَهُمْ مِثْل مَا قِيلَ لَك "وَجَعَلْنَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَة"
بَلِيَّة اُبْتُلِيَ الْغَنِيّ بِالْفَقِيرِ وَالصَّحِيح بِالْمَرِيضِ
وَالشَّرِيف بِالْوَضِيعِ يَقُول الثَّانِي فِي كُلّ : مَا لِي لَا أَكُون
كَالْأَوَّلِ فِي كُلّ "أَتَصْبِرُونَ" عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِمَّنْ
اُبْتُلِيتُمْ بِهِمْ اسْتِفْهَام بِمَعْنَى الْأَمْر : أَيْ اصْبِرُوا
"وَكَانَ رَبّك بَصِيرًا" بِمَنْ يَصْبِر وَبِمَنْ يَجْزَع